وثائقي

محاكمات النقابيين /سوسة 51: 26 جانفي محاولة لضرب الاتحاد وتصفيته كقوة ضاربة

في مرافعة الاستاذ  محمد المكشردفاعا عن المتهمين في قضية احداث 26 جانفي 1978 تأثر بالغ بما جرى يوم 26 جانفي واستغراب أشد لما يجري في محاكمة النقابيين المعنيين.

قال المحامي محمد المكشر ربحا للوقت، لن اتعرض الى ما اثاره الزملاء الذين سبقوني على اني اتمسك بما ورد في تدخلاتهم واريد تسجيل هذا الطلب. لكن صدقوني سيدي الرئيس ان قلت لكم انني متأثر بالغ التأثر الى ما انتهت اليه احداث جانفي الاخيرة واسمحوا لي بان اعرب عن استغرابي لما اراه اليوم.
فغريب ان تنتصب محكمة الجنايات وما  ادراك ما محكمة الجنايات بطم طميمها لما لها من ابهة وشرف بكل ما اسنده لها الدستور والشعب من صلاحيات يجعلها مسؤولة امام ضميرها الطاهر  لا سلطة ولا سلطان عليها الا الله.
غريب ان تنصب هذه المحكمة لتنظر في هاته القضية واي قضية؟
ان الملف الذي هو بين ايديكم لا يمثل ملفا كاملا بل نصف الملف فقط فاين النصف الثاني اين النصف المفقود؟ ان النصف الثاني يمثل الابحاث والشكاوي الواردة في خصوص المعتدين الحقيقيين في احداث جانفي الاخيرة، انهم اولئك الذين تسلحوا بما شاؤوا وهاجموا مقر الاتحاد واتلفوا محتوياته واعتدوا بالعنف على اهله اي مناضلي الاتحاد وهم الماثلين امامكم. لماذا لم تقم النيابة باجرآء الابحاث اللازمة لماذا لم توجه لهؤلاء المعتدين التهم المناسبة، لماذا لم تتم احالتهم على محكمتكم ليأخذ كل ذي حق حقه ولتعاقب كل من يستحق  العقاب  وهو مبدأ اساسي في القضاء اي ان البشر متساوون امام محكمتكم الفاضلة العادلة.
كان من الحق ومن العدل ان تكون محكمتكم على دراية كاملة باحداث جانفي 1978 وان يقدم لها ملف كامل بشطريه اشارة الى المتضرر والى المعتدي ذلك ان المتضرر في السجن والمعتدي ينعم بالحرية لكن من المؤسف لم يكن هذا وفي ذلك اجحاف في حق الماثلين امامكم.
فمن المتضرر في قضية الحال؟
انهم مناضلو الاتحاد العام التونسي للشغل باعتبارهم متهمين والحال انهم متضررين.  غريب ان يحال المتضرر امام محكمتكم وان ينتصب المذنب محل المتضرر، اهكذا اختلطت الامور وتشابهت فاستنوق الجمل واستفحلت الناقة؟فيحشر بالمناضلين في السجون ويحالون على المحاكم ويبقى المعتدون المذنبون على حالتهم وعلى عادتهم ضاربين عرض الحائط بجميع القيم الانسانية ويصبحون خطرا على المبادئ الانسانية.
فلنتساءل عن الدوافع والاسباب التي ادت الى حوادث جانفي. هناك في نظري عنصران الاول موضوعي والثاني انساني.
فبالنسبة للعنصر الاول وهو الاساسي ويشكل الحتمية التاريخية التي تجعل ان المصالح بين الطبقة الشغيلة الكادحة العاملة تتضارب مع مصالح الطبقة المثرية التي تتحكم في رأس المال وفي وسائل الانتاج والحال ان الرأس مال الحقيقي هو العامل بكده وبجهده وهذا التضارب يصبح تصادما عندما يستفيق العامل ويتفطن بانه هو العنصر الاساسي غير ان هذا العنصر العلمي مرتبط بعوامل اخرى منها المتعلقة بالمكان والزمان ومنها المتعلقة بدرجة  نضج الشعب وهو ما حدث في صلب الاتحاد العام التونسي للشغل. هناك استفاقة عارمة لـ 500 الف عامل منخرط في الاتحاد وهناك تضارب بين مصالح منظوريه ومصالح الطبقة المثرية.
بحيث ان هذا التضارب وهذا التطاحن لا مفر منه مهما حاولنا تقريب المواقف المتباينة وان المائدات المستديرة لا يمكن ان تشكل عنصرا اساسيا للتصدي لهاته الحتمية وانما تنتج بعض الحلول الزمنية الجزئية دون الوصول الى الجوهر وهذا هو الوضع الذي وصل اليه الاتحاد وهذه هي النتائج التي وصل اليها مع رجال السياسة اي الحكومة  اي الحزب ببلادنا.
اما العناصر الظاهرة فهي الاحداث التي حصلت في اواخر السنة الماضية وتوجت باحداث جانفي 1978 اي الاحداث المادية التي تعرض لها الزملاء بكل اطناب ولا فائدة في الرجوع اليها لاننا نعرفها كلها جميعا  انما اريد ان الخصها في جملتين:
1) هي محاولة لضرب الاتحاد وتصفيته لانه اصبح يشكل قوة ضاربة.
2) هي محاولة لقلب مجرى التاريخ، محاولة لجبر 500 الف عامل على الاذعان وادماجهم مكرهين في حضيرة المنضبطين الطائعين الذاعنين فهل سيتوصلون الى هاتين النتيجتين؟ اني اترك للتاريخ مهمة اجابتنا على هذا السؤال وأمّا رايي الخاص فاني اضمنه في بيت شعري لابي الطيب المتنبي اذ يقول: «ان كنت ما تنويه فعلا مضارعا...»
وفي خصوص الميليشيا التي يتحدث عنها المنوبون، اتساءل ماهي القوانين التي تسمح بتكوينها ووجودها، الا يكفي اعوان الامن الموجودون والجيش، اني اعتبر وجود الميليشيا خرقا ومسا باجهزة الامن الشرعية وخرقا للمبادئ الدستورية والجمهورية.
اما ملف القضية فتصح فيه القولة المأثورة: تمخض الجيل فولد فارا، قراته عدة مرات وخرجت بخفي حنين فالمحجوز لا يمثل اي شيء من شأنه مؤاخذة المتهمين من اجله واعتبر اجراءاته باطلة بطلانا كاملا والغريب ان هذا يقع امام اكبر محكمة وفيه مس للقضاء.
وخلاصة القول اني اخاف ان يحشر القضاء في المعارك السياسية وان يستعمل لتمرير بعض الغايات وان محاكمات كهذه تخلق رجالا عظاما ولكم ان تنظروا تاريخ حياة بورقيبة  والحبيب عاشور نفسه. ان التأسف لا يفيدنا كما ان البكاء لا يفيدنا لكن عندما تركن محكمتكم الموقرة لبيت الشورى، اطالبكم بان تعدلوا وان تنصفوا وان تحكموا بعدم سماع الدعوى وترك السبيل لمنوبي محمد الخلادي والجديدي المنياوي.