أزمة في هيئة المعماريين: حين تتجاوز المؤسّسات القانون… وتدفع الدولة الثمن

أزمة في هيئة المعماريين: حين تتجاوز المؤسّسات القانون… وتدفع الدولة الثمن
بقلم: إلياس بلّاغة *
تمرّ هيئة المهندسين المعماريين بتونس بواحدة من أخطر أزماتها منذ تأسيسها. فالحكم القضائي الصادر يوم 14 أفريل 2025 — والقاضي بإبطال انتخابات المجلس — لم يُنفّذ، ولم تُفتح انتخابات جديدة، ولم تُعَد هيكلة المؤسسة كما يفرض القانون.
الأدهى من ذلك أنّ المجلس المنتهية شرعيته يواصل التصرّف وكأن شيئاً لم يحدث، وكأنّ الحكم القضائي مجرّد رأي لا إلزام له.
1. مؤسّسة دون شرعية… ومجلس دون صلاحيات
لا انتخابات. لا غرفة تأديبية شرعية. لا تنظيم داخلي فعّال. ولا احترام لحكم قضائي نافذ.
نحن لا نتحدّث هنا عن خلاف بسيط داخل مهنة، بل عن تمرّد مؤسّساتي يضرب أساس دولة القانون. فالهيئة ليست نقابة، بل مؤسسة وطنية ذات وظيفة سيادية في تنظيم المهنة، حماية العمران، تثبيت المعايير، وضمان المصلحة العامة.
2. حين تتجاوز مؤسّسة وطنية حكم القضاء
تجاهل حكم قضائي لا يسيء فقط لصورة الهيئة، بل يفتح الباب أمام سابقة خطيرة: أنّ مؤسّسة وطنية تستطيع أن تعمل خارج القانون، وأن تعفي نفسها من رقابة القضاء. هذه ليست مشكلة مهنية فقط، بل هي مسّ مباشر بسلطة الدولة وبمبدأ سيادة القانون.
فعندما تتجاوز مؤسسة رسمية حُكماً قضائياً، فهي تدفع بالدولة نحو منطقة رمادية لا يوجد فيها معيار ولا محاسبة.
3. رسالة المهنة… التي خانها المجلس
يحمل المعماري في تونس رسالة نبيلة: البناء بدل الفوضى، الإصلاح بدل الانهيار، وصناعة الأمل بدل العبث. لكنّ القيادة الحالية اختارت المصالح الشخصية والتوازنات الضيقة على حساب القيمة التاريخية للمهنة.
وعندما تخون مؤسسة المعماريين وظيفتها، فهي لا تخون حاضر البلاد فقط، بل تخون مستقبل أبنائها.
التاريخ واضح: الحضارات لا تسقط حين تُهزم… بل حين تتوقّف عن البناء.
4. دعوة إلى إنقاذ الهيئة قبل فوات الأوان
إنّني أدعو:
-
الزملاء المعماريين، الهياكل الرسمية، السلط العمومية، والجهات الرقابية، إلى تحمّل مسؤولياتهم, ووضع حدّ لهذا الانحراف الخطير، وإعادة الهيئة إلى مسارها الطبيعي:
-
احترام القضاء، فتح انتخابات شفافة، إعادة هيكلة شاملة، بناء سلطة شرعية تحمي المهنة والدولة معاً. بدون ذلك، ستخرج الهيئة من مسارها التاريخي، وستتحوّل من حصن للمعرفة والعمران… إلى مصدر للفوضى المؤسّساتية.
الخلاصة
الأزمة التي تعيشها هيئة المعماريين ليست أزمة داخلية تخصّ أهل المهنة فقط، بل هي قضية رأي عام. المعركة اليوم ليست بين أشخاص، بل بين منطقين: منطق الدولة والقانون، و منطق التصرّف خارج الشرعية.
والتاريخ لا يرحم المؤسسات التي تتجاهل القانون… ولا المجتمعات التي تصمت أمام انهيار البناء.
* إلياس بلّاغة
معماري – تونس/ مؤسس مجموعة "معماريون مواطنون".