الانسحاب الأميركي من المنظمات الدولية : إعادة هندسة للنفوذ وليس تخلّيا عن النظام الدولي

الشعب نيوز/ هادية العرفاوي - قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من 66 منظمة واتفاقية دولية، أغلبها تابعة لمنظومة الأمم المتحدة، لا يمكن قراءته كخطوة تقنية أو مالية معزولة.
فهو يعكس تحوّلًا استراتيجيًا في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع النظام الدولي، قائمًا على الانتقائية وإعادة ترتيب الأولويات، لا على القطيعة الشاملة.
انسحاب من هنا، بقاء هناك.
فعلى الرغم من الانسحاب الواسع، تُصرّ الإدارة الأميركية على البقاء داخل منظمات تُعدّ محورية في وضع المعايير الدولية التي تنظّم الاقتصاد العالمي، والتكنولوجيا، والنقل، والعمل. هذا التناقض الظاهري يكشف جوهر السياسة الجديدة: تقليص الالتزامات حيث لا نفوذ مباشر، وتعزيز الحضور حيث تُصاغ القواعد، خاصة في سياق التنافس الجيوسياسي المتصاعد مع الصين.
* من بين أبرز المنظمات التي انسحبت منها الولايات المتحدة:
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة
منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)
صندوق الأمم المتحدة للسكان
برامج وهيئات أممية معنية بالمناخ والبيئة
هيئات تُعنى بالهجرة، التنمية الاجتماعية، والمساواة
عدد من الاتفاقيات متعددة الأطراف المرتبطة بالحوكمة والتعاون الدولي
الدوافع الحقيقية للقرار
هذا التوجّه يقوم على ثلاث ركائز أساسية:
تقليص الكلفة السياسية والمالية للالتزامات متعددة الأطراف التي لا تخدم المصالح الأميركية المباشرة.
إعادة توجيه الموارد نحو المنظمات التي تُحدّد المعايير والقواعد العالمية، باعتبارها أدوات تأثير استراتيجي.
مواجهة النفوذ الصيني داخل المؤسسات الدولية بدل الانسحاب منها وترك فراغ يُملأ من قوى منافسة.
* التداعيات السياسية
هذا الخيار يُضعف مبدأ التعددية الدولية ويُفرغه من بعده التضامني، ويحوّل المنظمات الدولية من فضاءات للتعاون المشترك إلى ساحات صراع نفوذ. كما يُكرّس منطق التعامل الانتقائي مع القانون والمؤسسات الدوليين، بما يهدد استقرار النظام العالمي القائم على القواعد.
التداعيات النقابية والاجتماعية
بالنسبة للحركة النقابية، يحمل هذا التوجه مخاطر واضحة:
* زيادة الضغوط لتكييف المعايير الدولية للعمل مع منطق التنافسية الاقتصادية بدل الحقوق الاجتماعية.
* تهديد استقلالية المؤسسات الاجتماعية الدولية، وفي مقدمتها منظمة العمل الدولية، عبر إدخال منطق الصراع الجيوسياسي إلى فضاء يفترض أن تحكمه المقاربة الحقوقية والتوازن الثلاثي.
* إضعاف أدوات حماية العمال، خاصة في الدول النامية، التي تعتمد على المعايير الدولية كمرجعية أساسية للدفاع عن العمل اللائق والحماية الاجتماعية.
مسؤولية مضاعفة
إن ما نشهده اليوم هو تحوّل في فلسفة النظام الدولي: من التزام جماعي قائم على التعاون والتضامن، إلى إدارة انتقائية تُخضع المؤسسات الدولية لمنطق القوة والمصلحة. وفي هذا السياق، تصبح مسؤولية النقابات والقوى الاجتماعية مضاعفة في الدفاع عن استقلالية المنظمات الدولية، وعن الطابع الحقوقي للمعايير الاجتماعية، ورفض تحويل حقوق العمال إلى ورقة تفاوض في صراع القوى الكبرى.
هادية العرفاوي