بيـان: ثمانون سنة من التضحية والعطاء والنضال

الشعب نيوز/ المحرّر - بمناسبة الذكرى الثمانين ( 1946 - 2026 ) لتأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل ، أصدر المكتب التنفيذي الوطني اليوم الثلاثاء 20 جانفي 2026 بيانا في ما يلي نصه :
" يحيي الاتحاد العام التونسي للشغل اليوم الذكرى 80 لتأسيسه بقيادة الزعيم الخالد فرحات حشاد ورفاقه من الجيل المؤسّس للحركة النقابية التونسية عبر مسار من التجارب التي راكمت النضال السياسي والاجتماعي من أجل الاستقلال الوطني وخدمة مصالح الأجراء والعمّال وكافّة الشرائح الاجتماعية في نضالها من أجل العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة والحقّ في التنمية الشاملة.
فقد مثّل انبعاث الاتحاد العام التونسي للشغل وتأسيسه استجابة إلى حاجة مجتمعية تمثّلت في إيجاد صوت للعمال والأجراء للارتقاء بالتجارب النقابية السابقة ومن أجل تجذير النضال الوطني والاجتماعي وتوحيد الحركة النقابية والاجتماعية وبلورة مواقفها المناصرة للتحرّر الوطني والانعتاق الاجتماعي وخدمة مصالح الفئات الشعبية الكادحة ضدّ الاضطهاد الاستعماري والاستغلال الطبقي.
إنّ تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 20 جانفي 1946، هو علامة فاصلة في تاريخ تونس نظرا لما لها من تأثيرات هيكلية على الصراع الاجتماعي والحركة الوطنية عموما حيث تبوّأ الاتحاد مكانة مرموقة في المسارين عبر النضال الميداني وتأطير الاحتجاجات والإضرابات وكلّ أساليب المقاومة السياسية والنقابية.
كما ساهم الاتحاد في بناء أسس دولة الاستقلال ومؤسّسات الجمهورية عبر برنامجه الاقتصادي والاجتماعي وما قامت به النقابات من دور في تأسيس اللبنات الأولى للاقتصاد الوطني والمشاركة في صياغة النصوص التشريعية الأساسية في مجال الشغل والضمان الاجتماعي والسياسة التربوية والتعليمية والثقافية.
واعتبارا لهذا الدور الرّيادي تمكّن الاتحاد عبر عقود من تحقيق مكاسب هامّة للأجراء والعمّال وكافّة الفئات الشعبية بما دعّم مكانة الطبقات الوسطى والشعبيّة وعزّز وظيفتها في الاستقرار الاجتماعي وحسن توظيف الموارد المالية والبشرية والأمان الوظيفي بتمكين دور المرفق العام الذي مثّل أهم آلية للمصعد الاجتماعي وتنمية المهارات الوطنية والكفاءات التونسية.
ولقد قدّم الاتحاد التضحيات الجسام من أجل تأمين دوره الطلائعي في إطار الاستقلالية والنضالية وخدمة الأهداف الوطنية والنقابية وكان اغتيال الزعيم فرحات حشاد واستشهاد العديد من المناضلين إثر الأحداث الكبرى التي عرفتها تونس دليلا على روح التضحية والثبات على المبدأ.
ورغم توالي المحاكمات ومحاولات الانقلاب على الشرعية واختراق المنظّمة وتطويع بعض قيادتها وفرض الموالاة والتوظيف السياسي من قبل السلطة التي دوما حاولت تدجين العمل النقابي.
فقد باءت تلك المحاولات بالفشل أمام صمود النقابيات والنقابيين الذين جعلوا من الرسالة النقابية عقيدة وديدنا تتوارث بين الآجال والقطاعات والجهات وتنبني على المبادئ والقيم والميثاق النقابي في امتداده التاريخي وتضامنه الوطني والإقليمي والدولي خلال كلّ الأزمات والمحن التي اعترضت ولا تزال تتربّص بالعمل النقابي الوطني المستقلّ والمناضل والديمقراطي.
وبفضل إشعاع الاتحاد ترسّخ دوره الوطني واضطلاعه بالمسؤولية التاريخية التي عرفت العديد من التمظهرات والتجارب من أجل الدفاع عن الاستقلالية والذود عن قيم الجمهورية والمبادئ الكونية والإنسانية في الحريّة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية حيث تكاملت أدوار المناضلات والمناضلين وتبوّأت المرأة دورا مشرّفا إلى جانب الشباب بما راكم التجربة وحصّن الاتحاد ضدّ كلّ أنواع الاحتواء والتّوظيف والتهميش بتأمين دوره في الدفاع عن الحقوق الفردية والجماعيّة ورفض كلّ أشكال الظلم والاستبداد والإقصاء.
لقد تنامى دور الاتحاد داخل نسيج المجتمع المدني ومكوّناته ومثّل دوره الفاعل في الحوار الوطني ضدّ الفراغ والفوضى تأمينا لخروج سلس من الأزمة السياسية فكان الاتحاد لذاك صمّام الأمان الأساسي في كلّ المعادلات والحصن الواقي للقوى الديمقراطيّة والحداثية ضدّ هيمنه السلطة مستقلاّ عن الأحزاب ملتصقا بالعمّال وبعموم الشعب. وإنّ الواجب يدعونا اليوم إلى تحمّل المسؤولية التاريخية وتأمين الرسالة والأمانة خدمة للصالح العام ودفاعا عن الحقوق الأساسية للشغالين الذين لا ملاذ لهم سوى منظّمتهم العتيدة في نضالهم ضدّ هشاشة الشغل وتراجع المقدرة الشرائية ومحاولات ضرب العمل النقابي والالتفاف على المكاسب التشريعية التي أصبحت تستهدفها القرارات الأحادية للدولة خارج إطار المفاوضة والحوار الاجتماعي.
ولقد تعدّدت الانتهاكات ومظاهر تجاوز السلطة والاعتداء على النقابيات والنقابيين واختلاق المحاكمات وتلفيق التهم الكيدية وافتعال القضايا خاصّة في حقّ أعضاء حاليين وسابقين من الهيئة الإدارية الوطنية بهدف تدجين المنظمة وقمع كلّ صوت حرّ ينادي بالحرية والديمقراطية والعدالة.
لكنّ وقوف المناضلات والمناضلين والقوى الديمقراطية وتجنّدهم للدفاع عن الاتحاد وحقوق العمّال والفئات الشعبية والطبقات الضعيفة في الحياة الكريمة وظروف العيش والعمل اللائقين، حال دون تمكّن المناوئين من إضعاف المنظّمة وتهميش دورها رغم ما تمرّ به من اختلافات في وجهات النظر والتقييمات وتصوّرات معالجة للأزمة وتجاوز أسبابها بحلول عملّية في إطار القوانين الداخلية للمنظّمة التي تجد زخمها في التنوّع وثراء المرجعيّات النقابية في علاقة بالجهات والقطاعات والأجيال.
إنّ بلادنا تمرّ اليوم بأصعب الظروف إذ نشهد تعطّلا للمسار الديمقراطي وضربا للمسار الطبيعي للحوار الاجتماعي ومحاولات إقصاء العمل النّقابي ظهر خاصة في تفرّد السلطة بقرارات أحادية تخصّ العمّال كالزيادة في الأجور والجرايات وتوظيف أعباء جبائية جديدة مع تعديلات شكليّة في قاعدة احتساب جدول الأداءات لأصحاب الجرايات دون استشارة الأطراف الاجتماعية والهياكل الممثّلة.
لقد كان لهذه العوامل التّأثير البالغ على دور الهياكل النقابية على كافّة المستويات ممّا خلق فراغا أثّر سلبا على وضع العمّال وعلى الاتحاد.
إنّ الأزمة التي يمرّ بها الاتحاد العام التونسي للشغل ليست الأولى ولن تكون الأخيرة وهي مظاهر تعرفها كلّ الحركات الاجتماعية والنقابية في كافّة أنحاء العالم وتكون في العادة حمّالة تحديات تاريخية جديدة في علاقة بالمتغيّرات التي يعرفها العالم في ظلّ تنامي التيارات الشعبوية وإعادة تشكيل الخارطة السياسية والاجتماعية وضبط موازين القوى واختلال التوازنات الدولية. إلاّ أنّ الاتحاد وبفضل تجربة مناضلاته ومناضليه يجد القدرة والإرادة لتجاوز هذه المحنة بكلّ مسؤولية واقتدار.
وبالرجوع إلى التجارب النضالية التي خاضها الاتحاد طوال الثماني عقود، فإنّ الواجب يدعونا اليوم إلى تجاوز الأزمة التي تعيشها المنظّمة وفق مبادئ الديمقراطية، حتّى تكون مناسبة ذكرى التأسيس موعد انطلاقة فعلية لتطوير المنظّمة وتحديث آليات العمل والاتصال بين كافّة هياكلها.
يحدونا الأمل وتتكاثف مجهوداتنا ورصيدنا النّضالي من أجل دعم حقوق الشغّالين والطبقات والفئات الاجتماعية في التنمية والاستقرار والسّلم الاجتماعي التي لا يمكن تحقيقها سوى بوحدتنا والإيمان الرّاسخ بدور الاتحاد مستقبلا في مقاومة مظاهر الاستبداد والاستغلال والهيمنة والحيف الاجتماعي ومواصلة الرسالة النبيلة التي يضطلع بها الاتحاد كقوّة اقتراح وتعديل وتنمية مستدامة تخدم مصالح الأجراء والوطن.
ففي الذكرى الثمانين من تأسيس الاتحاد، وأكثر من أيّ وقت مضى، يتأكّد الدور الوطني والاجتماعي للاتحاد العام التونسي للشغل منطلقا من قاعدة صلبة للتقييم والمراجعة والتعديل وتكريس إرادة الإصلاح والذّود عن المكاسب وتطوير العمل النّقابي في محيط وطني صعب وسياق دولي دقيق.
وفي ظلّ عالم متغيّر تسوده الشعبوية والتطرّف والدوس على القانون الدولي فإنّه لا يسعنا، ونحن نحيي الذّكرى الثمانين، إلاّ أن نذكّر بوقوفنا مع كلّ الشعوب المضطهدة وفي مقدّمتهم الشعب الفلسطيني مجدّدين مؤازرتنا للحقّ الفلسطيني ودعم المقاومة من أجل استرجاع حقوقه المسلوبة في الحرية والاستقلال والنضال ضدّ الكيان الصهيوني الغاصب في إطار وحدة الصفّ الفلسطيني ووقوف كّل قوى التقدّم ضدّ الاستعمار وحرب الإبادة التي ينتهجها الكيان الصهيوني في غزّة وكلّ فلسطين."
عاش الاتحاد العام التونسي للشغل
حرّا، مستقلا، ديمقراطيا ومناضلا
الأمين العام
نورالدين الطبوبي