إلغاء انتخاب رؤساء الجامعات: انتكاسة للمشاركة الديمقراطية واستقلال المؤسسات الجامعية

تونس/ الشعب نيوز- يمثّل مشروع تنقيح القانون المنظّم للتعليم العالي، عبر إلغاء الفصل 15 من القانون عدد 19 لسنة 2008 وتعويضه بصيغة جديدة تقوم على تعيين رؤساء الجامعات بقرار إداري بعد اقتراح من الوزير المكلّف بالتعليم العالي، تحوّلًا تشريعيًا بالغ الخطورة، إذ يعكس تراجعًا عن المسار الذي أُقرّ بعد سنة 2011 وقام على اعتماد الانتخاب كآلية قانونية لتعزيز استقلالية المؤسسة الجامعية وترسيخ الحوكمة الديمقراطية في إطار إصلاح وبناء منظومة تعليم عالٍ حديثة وفعّالة.
فالفصل 15 في صيغته النافذة أرسى نظامًا قانونيًا يضمن مشاركة الأسرة الجامعية في اختيار من يتحمّلون مسؤولية تسيير المؤسسات الجامعية، وهو ما ينسجم مع المبادئ الدستورية المتعلّقة بحرية التعليم والبحث العلمي واستقلال الجامعة باعتبارها ركيزة أساسية لبناء منظومة تعليم عالٍ قادرة على الابتكار والاستجابة لحاجيات المجتمع والتنمية الوطنية.
كما يتطابق هذا التوجّه مع المعايير الدولية، ولا سيّما توصيات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بشأن أوضاع هيئة التدريس في التعليم العالي، التي تؤكد على ضرورة حماية الاستقلال المؤسسي وتعزيز المشاركة في إدارة الشأن الجامعي.
أمّا العودة إلى منطق التعيين المركزي، فإنّها تطرح إشكالًا دستوريًا وقانونيًا مزدوجًا: فمن جهة تمسّ بمبدأ استقلالية المؤسسات الجامعية، ومن جهة أخرى تُضعف أسس الحوكمة الرشيدة القائمة على الشفافية والمساءلة، فضلًا عن تعارضها مع الاتجاهات المقارنة في إصلاح أنظمة التعليم العالي التي تقوم على دعم الاستقلال المؤسسي وربط التسيير الجامعي بشرعية داخلية نابعة من الأسرة الجامعية.
ورغم أنّ المشروع يقترح تحديد مدة الولاية بأربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، فإنّ هذا القيد الزمني لا يغيّر من الطبيعة القانونية للآلية المعتمدة، ولا يعوّض غياب مسار انتخابي أو تشاركي قائم على البرامج والتقييم والمحاسبة أمام الهياكل الجامعية.
إنّ أي إصلاح تشريعي يمسّ الفصل 15 ينبغي أن يستند إلى المرجعية الدستورية والمعايير الدولية ذات الصلة بحرية البحث العلمي واستقلال الجامعة، وأن يتمّ في إطار حوار وطني جدي وتشاور واسع مع الأسرة الجامعية ومع الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي باعتبارها الهيكل النقابي القطاعي الممثّل للأساتذة والباحثين، لا عبر إجراءات فوقية تُعيد مركزة القرار وتُضعف المشاركة المؤسسية التي تُعدّ شرطًا أساسيًا لبناء منظومة تعليم عالٍ متينة وذات جودة.
وعليه، فإنّ هذا المشروع لا يقتصر أثره على تعديل تقني في نص قانوني، بل يمسّ بأسس قانونية ودستورية دقيقة تنظّم علاقة الدولة بالمؤسسة الجامعية، ويستوجب نقاشًا وطنيًا مسؤولًا حول مستقبل إصلاح التعليم العالي، دفاعًا عن جامعة مستقلّة، ديمقراطية، وقادرة على الاضطلاع بدورها العلمي والتنموي.
هادية العرفاوي
.jpg)