بارومتر" الاتحاد العام التونسي للشغل: حين تصبح المؤشرات مرآة للأزمة وبوصلة للإصلاح "

الشعب نيوز/ هادية العرفاوي - في زمن تتصاعد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراكم المخاوف الاجتماعية، يقدّم الاتحاد العام التونسي للشغل عبر النسخة الأولى من "البارومتر" الاقتصادي والاجتماعي لسنة 2025 وثيقة تشخيصية غير مسبوقة، تقوم على القياس والتحليل المنتظمين، وتضع واقع الاقتصاد التونسي تحت مجهر اجتماعي صارم، رابطـة الأداء الاقتصادي مباشرة بمصير الشغل، والقدرة الشرائية، ومنظومات الحماية الاجتماعية، والحوار الاجتماعي.
استشراف يتجاوز التشخيص
ولا تكمن أهمية هذه النسخة التأسيسية في ما تحمله من أرقام فحسب، بل في كونها تؤسس لمسار رصدي دوري يُنتظر أن يتحوّل إلى مرجع في تقييم السياسات العمومية وصياغة البدائل، وفي إرساء نقاش وطني يستند إلى الوقائع بدل الانطباعات. ويأتي صدور "البارومتر" في سياق يتّسم بتباطؤ النمو عالميًا وتراجع الأدوار الاجتماعية للدولة داخليًا، ما يمنحه بعدًا استشرافيًا يتجاوز التشخيص إلى فتح أسئلة الإصلاح.
اقتصاد يتعثّر وانتعاشات بلا أثر اجتماعي
تكشف المؤشرات أنّ الاقتصاد التونسي يعيش منذ سنوات حالة ركود هيكلي، إذ لم يتجاوز معدّل النمو خلال العقدين الأخيرين 2.3 في المائة، وهو مستوى غير قادر على خلق الثروة أو تقليص البطالة أو تحسين شروط العيش. أما الانتعاشات الظرفية المسجّلة خلال فترات متقطّعة، فقد ظلّت محدودة ومحصورة في قطاعات بعينها، كالفلاحة والمناجم والسياحة، دون أن تنعكس على التشغيل أو العدالة الاجتماعية، ودون معالجة جذور الأزمة.
عوائق هيكلية تشلّ التنمية
ويرصد البارومتر منظومة من الاختلالات العميقة التي تكبح أي مسار لنمو شامل، في مقدّمتها ضعف الاستثمار المنتج وغياب سياسة صناعية واضحة، وهشاشة النسيج الاقتصادي، واتساع الفوارق الجهوية، والتبعية الطاقية والمالية للخارج، فضلًا عن بطء الإصلاحات وتناقض السياسات العمومية. ويخلص التقرير إلى أنّ النمو الحالي لا يزال غير إدماجي، عاجزًا عن توفير فرص شغل لائقة، بما يوسّع الفجوة الاجتماعية ويغذّي التوترات.
التضخم: هدوء في الأرقام… وغلاء في الواقع
ورغم تسجيل تراجع نسبي في معدّلات التضخم سنة 2025، يؤكد " البارومتر" أنّ الظاهرة بنيوية، بمتوسط تاريخي يفوق 5 في المائة. فالأرقام قد تنخفض، غير أنّ كلفة المعيشة لا تزال تثقل كاهل الأسر. ويبرز التقرير الفجوة بين التضخم المُقاس والتضخم المُعاش، بفعل الارتفاع المتواصل في كلفة السكن والنقل والصحة والغذاء، وهي نفقات قسرية تجعل هامش التصرف لدى العائلات أضيق يومًا بعد يوم.
الأجور والعيش الكريم: استنزاف بطيء
يحذّر "البارومتر" من استمرار تآكل الأجر الأدنى المضمون بفعل التضخم وضعف آليات التحيين، فيما يبقى العمال الفلاحيون والأجراء محدودو الدخل في صدارة المتضرّرين. ويرى التقرير أنّ تحسين القدرة الشرائية لم يعد مطلبًا قطاعيًا، بل شرطًا جوهريًا للاستقرار الاجتماعي، ولا يمكن تحقيقه دون سياسات أجور عادلة تربط تطوّر الأجور بتطوّر الأسعار.
سوق الشغل: هشاشة تُهدّد التوازنات
ورغم بعض المؤشرات الظرفية الإيجابية، يبيّن التقرير أنّ سوق الشغل ما تزال تعاني توسّع العمل غير المنظم، وضعف إدماج الشباب والنساء وحاملي الشهادات، ومحدودية الشغل اللائق واستقرار العقود. وتؤكد هذه الاختلالات، وفق "البارومتر"، أنّ مردودية النمو تبقى ضعيفة، وأن السلم الاجتماعي يظلّ هشًّا.
فوارق جهوية تُعمّق الإقصاء
يكشف التقرير عن اتساع الهوّة بين الجهات الساحلية والداخلية، ويُحمّل السياسات العمومية مسؤولية الفشل في إرساء عدالة ترابية فعلية، ما يفاقم التهميش ويغذّي الاحتقان الاجتماعي.
الحماية الاجتماعية: أزمة بنيوية لا تنتظر
وتوقّف "البارومتر" عند وضعية الصناديق الاجتماعية، مؤكدًا أنّ الأزمة ليست محاسبية ولا عابرة، بل حصيلة اختلالات هيكلية ترتبط بضعف النمو، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وتراجع قاعدة المساهمين، وهشاشة التشغيل وجمود الأجور.
وفي المقابل، يدعو التقرير إلى إصلاح شامل يقوم على توسيع قاعدة المنخرطين، وإدماج الاقتصاد غير المنظم، وتحسين الأجور، رافضًا المقاربات التي تختزل الحلول في تقليص الحقوق الاجتماعية أو الترفيع في سنّ التقاعد.
الحوار الاجتماعي: الركيزة الغائبة
ويسجّل "البارومتر" تعطّلًا واضحًا في آليات الحوار الاجتماعي، ويربط بين هذا الجمود وتصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مؤكّدًا أنّ الحوار ليس تفصيلًا سياسيًا، بل ركيزة للاستقرار والتنمية والديمقراطية الاجتماعية.
أرقام صارمة ورسالة مفتوحة
تخلص النسخة الأولى من "البارومتر" إلى تشخيص قاطع: الأزمة في تونس هيكلية، والنمو غير شامل، والقدرة الشرائية تحت ضغط متواصل، والحماية الاجتماعية في وضع هشّ، فيما يظل الحوار الاجتماعي معطّلًا.
ويرى الاتحاد العام التونسي للشغل في هذا العمل أداة مستقلة للتشخيص وقاعدة لصياغة بدائل اقتصادية واجتماعية أكثر عدلًا، ورسالة موجّهة إلى صانعي القرار لإعادة توجيه السياسات العمومية نحو الشغل اللائق، والعدالة الاجتماعية، وحماية الفئات الأكثر هشاشة.