ثقافي

معرض الفنان التشكيلي باكر بن فرج : الحفرُ دلالةٌ

الناقد منذر العيني / تونس - افتتح الفنان التّشكيلي التونسي المتميّز باكر بن فرج  معرضه الخاصّ بڨاليري ارشيفارت بمدينة المرسى يوم 24 جانفي  ليستمر إلى 24 فيفري 2026 .

أخذ عنوانا جامعا" الباقي" يستقبل زوّاره كلّ يوم لينثني النّظر على النّظر موشورا حيّا  لتجربة ٱلت على نفسها أن تتعاقد بشكل ٱخر مع التّشكيل التّونسيّ منذ مدرسة تونس يشاكلها الاختلاف في رؤيته للعالم داخله أو خارجه في نظمه للفلسفيّ وهو يتشكّل وهو يرى وينبئ، يترائ ذلك في مفارقة تذهب بالمشهديّة في مختلفها المباشر عبر أنسجة حيّة تنبض أيضا تدلّ في متواتراتها من رسوم مرشَّحةٍ غير مألوفة تنتمي لمسرحها المتوسّطي المتفرّع عن العالميّ الّذي يعود بنا إلى الإنسانيّ فينا.

لوحاتٌ معاصرة يتظاهر فيها الحفرُ في أنساق مغايرة  ينبئ عن تأسيسات فكريّة عميقة في تناولها للمادّة وهي تتزاوج مع الرّسومات تغطس وتعوم لتَظهرَ النّتوءاتُ في تماثلاتٍ مع فراغاتٍ قد تملأ الضّوء.

إنّ هذه الصّيرورة في متناولات كهذه تمتزج فيها تاريخيّات غائرة يودّ فيها بن فرج أن يفصح تعلّقه بالبيئة عبر ما تثريه أوراق الزّيتون أو ما تتمتّع بها تلك الحيوانات في ضيعاته التّأويلة، الدّيكة بفحولتها والقوافل بصبر جمالها والأسماك في دلالاتها على الوجود، لا تتوانى الألوان في مكرّراتها أن تفزع في دلاتها الحضوريّة تتجاور مع ما شهدته المشهديات من عادات مألوفة، فالمعاني لا تتعدّد إلاّ بانفتاحاتها على الألوان والقضايا والموضاعات المبتكرة بتساؤلات عن الإنيّة والغيريّة بانتمائها التّونسيّ المشترك في مشهديته الداخليّة الصّامتة على السّطح وهو يعبّر بتجاويفه وألسنته الناتئة تظهر بؤرٌ صامتة لمداخل غير متناوبة تأخذ من الحفر أخاديد تسجّل تاريخا وتواريخ، نحن إزاء نظرٍ لمراجعاتٍ ومرجعيّات للبنائيّات وإعاداتٍ لها عبر ما ترسّمته مخيّلة باكر تعكس يقينه أنّ الحفر ليس تقنية بل هو أساس في بناء الفضاءات البصرية، وما الألوان ما هي إلاّ وسائط تثوي في داخلها لغات وحوارات ومسارات تتصاعد فيها وبها الذّاكرة طبقات شتّى تعكس ما يبقى من أبديّات شاهدة، عاملة عمرها في تثوير ما بداخلنا من حدوس يمكن لقارئها أن يستخرجها في مثل هكذا لوحات أحفوريّات من مناجم تشكيليّة قد تتماهى مع مورثنا على الصّخرة تلك من أوشامٍ ومن حدوش ومن إمضاءاتٍ تعبرها الأوصاف، خدوش ٱثار طبقات، تكرارات عضويّة، أقرب إلى انتروبولجيات بصريّة، ما يجعلها تعيد حياتها هذه الأحافير التّي يمارسها باكر وهو يزوّجها معادلها من الرّسومات والألوان تكادُ تنطلقُ بحياةٍ ثانية ثاوية في التّفاصيل في الهوامش والمتروك المهمل المرميّ من أعيننا الخادعة المخدوعة في تركيزها أو في نقاطها الضّعيفة من الأخذ في حالاتها من انزلاقات الضّعف عبر المواشير في أبعادها.

"ما يبقى" عنوان عرضه هذا، وهو يشتغل كجواز مرافقٍ يُرى بعد الّذي بقيَ في ما يمكن أن يوافقه من منهج بول كلي أوترميز بيساجيو أوذاكرة السّطح عند تابيس، أو التزام جان دوبوفيه. فالفن هو أن لا نعيد إنتاج المرئيّ بل أن نجعل اللامرئيّ مرئيّا وعلى هذا النحو.

خلق بن فرج إيقاعاته التّشكيليّة يبرمُ أشكاله في متنوعاتها التّي تغمض دلالاتها ولا تفصحها إلاّ عند الصّمت في مجاورته للذّاكرة فارضا قدسيّة أخرى على العفويّ العارض تقديسا للبدائيّ تحفيزا للتّصويريّ في منطقٍ متلازمٍ مع الالتزام، فاللّوحةُ تُضحي صورةً من التّقاطعات ضدّ الثّقافة وضدّ السّطحيّ، في معادلة لا تنطق إلاّ بالرّفض إلاّ بالعَود إلى صياغات بريئةٍ تقترب من الإنسانيّ العميق فينا، فما نكاد نرى هشاشة تلك المكوّنات من تحميلات وضيوف غضّة من المستدعيات حتّى تسطع أضواء من سطوح منتجَة وثريّةٍ ما تفتأ تضدّ انطباعيات واقعيّة عبر مغرياتِ نتوءاتِ أشكالٍ لا تسهل ولا تعطي، فهي إجازات مجازات إلى حين،. تشبيهات أو إرسالات عبر قرائن تبعد عن سرديات مألوفة فهي كتابة للغائب تخبر الحاضر في ترسّله النّظر المتأنّي. تكثيفٌ أزمانٍ قد تبيد وقد تأتي قيامتها، المفارقة لا تغيب، تولّد مجازها من العلاقة بين الأشياء، خدش على السطح ليس خدشا، بل أثر مرور، ذاكرة أو جرح زمنيّ.

اللّوحة عند باكر بن فرح نصّ مشرّع يشرّك قارئه حتّى يخلع عنه الباب، يعلّمه أنّ السطح بِصَمْته صار أعمق من الكلام، وأنّ المجاز الكامن فيها يُستخرج منها ممّا يجعل من الڨرافير فعلا فكريّا وخطابا بصريّا يسائل الذاكرة والهويّة.