حالة الطوارئ: قانون يعود كلّما ضاق صدر السلطة بالحريات

الشعب نيوز/ تونس - لم يكن إعلان حالة الطوارئ في موفّى ديسمبر 2025 حدثًا إداريًا معزولًا أو إجراءً قانونيًا تقنيًا عابرًا، بل شكّل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من العودة إلى التشريع الاستثنائي كلّما واجهت السلطة أزمة اجتماعية أو سياسية عميقة.
فبموجب الأمر الرئاسي عدد 485 لسنة 2025 المؤرخ في 29 ديسمبر 2025، والمتعلّق بإعلان حالة الطوارئ، والصادر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية بتاريخ 30 ديسمبر 2025، أُعلنت حالة الطوارئ في كامل تراب الجمهورية إلى غاية 30 جانفي 2026، في توقيت بالغ الدلالة، تزامن مع الإعلان عن إضراب عام ليوم 21 جانفي 2026، أقرّته الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل المجتمعة يوم 6 ديسمبر 2025، في ظلّ مناخ من التوتّر الاجتماعي والاحتقان السياسي المتصاعد.
تاريخ ثقيل
هذا القانون، الذي يبدو في ظاهره أداة لحفظ النظام العام، يحمل في جوهره تاريخًا ثقيلًا من ضرب الحريات وتقييد العمل النقابي والتضييق على حقّ التظاهر والتجمهر، بل والالتفاف على الحق في الإضراب، خاصة مع اقترانه المتكرّر باللجوء إلى آلية “التسخير”، التي تُستحضر كلّما عجزت السلطة عن إدارة الصراع الاجتماعي بالحوار.
تاريخيًا، تعود أولى محطات اعتماد حالة الطوارئ في تونس إلى جانفي 1978، في سياق الإضراب العام الشهير الذي واجهته السلطة آنذاك بالقوة، عبر منظومة قانونية استثنائية جمعت بين إعلان الطوارئ ومنع التظاهر والاجتماع والجولان، وتسخير الأعوان والمؤسسات الحيوية. وقد رافق قرار التسخير، المنصوص عليه ضمن الفصل الرابع من نفس القانون، إعلانَ حالة الطوارئ في نفس الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، من خلال الأمر عدد 47 لسنة 1978 المؤرخ في 25 جانفي 1978 والمتعلّق بتسخير بعض أعوان مؤسسات قومية خاضعة لرقابة وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، وكذلك الأمر عدد 48 لسنة 1978 المؤرخ في 25 جانفي 1978 والمتعلّق بتسخير بعض أعوان الشركة القومية للسكك الحديدية التونسية، والشركة القومية للنقل، وشركة تونس الجوية، والممضى من الوزير الأول آنذاك الهادي نويرة.
لم يكن الهدف، في جوهره، حماية المواطنين بقدر ما كان كسر الإضراب وشلّ الحركة النقابية، إذ لم يصدر إنهاء حالة الطوارئ إلا بموجب الأمر عدد 148 لسنة 1978 المؤرخ في 24 فيفري 1978، أي ليلة 25 فيفري 1978، تاريخ تنظيم مؤتمر صوري للاتحاد العام التونسي للشغل وتنصيب قيادة موالية للسلطة، في محاولة مكشوفة لإعادة تطويع المنظمة الشغيلة.
خيار جاهز
ومنذ ذلك التاريخ، لم يغادر قانون الطوارئ المشهد التونسي فعليًا، بل ظلّ حاضرًا كخيار جاهز كلّما جنحت السلطة إلى المقاربة الأمنية بدل المعالجة السياسية والاجتماعية. وقد استمرّ العمل به أو استدعاؤه في ظلّ دستور 1959، ثم أُعيد إنتاجه في ظلّ دستور 2014، ليجد لنفسه مكانًا مجددًا في السياق الدستوري بعد دستور 2022، دون مراجعة جوهرية حقيقية تحدّ من طابعه الزجري أو تضبط شروط استخدامه الصارمة.
الأخطر في منظومة الطوارئ لا يكمن فقط في ما تتيحه من منع للتجمعات أو فرض للإقامة الجبرية أو غلق للفضاءات العامة، بل فيما تفتحه من باب واسع للتسخير الإجباري، باعتباره أداة مباشرة لكسر الإضرابات والضغط على العمال والأجراء. فالتسخير، الذي يُقدَّم باعتباره ضرورة لضمان استمرارية المرافق الحيوية، تحوّل تاريخيًا إلى سلاح موجّه ضدّ الحق النقابي، يُجرّم الامتناع عن العمل، ويحوّل الصراع الاجتماعي من مسألة حقوقية إلى مسألة أمنية.
أوّل الضحايا
اليوم، ومع عودة حالة الطوارئ في نهاية سنة 2025، يتجدّد السؤال الجوهري نفسه: هل تُدار الأزمات الاجتماعية بالقانون الاستثنائي أم بالحوار؟ وهل يُنظر إلى النقابات باعتبارها شريكًا اجتماعيًا أم تهديدًا يجب تحييده؟ إنّ استدامة اللجوء إلى حالة الطوارئ تكشف، في العمق، أزمة نموذج حكم لم ينجح بعد في التوفيق بين الأمن والحرية، وبين سلطة الدولة والحقوق الدستورية، وعلى رأسها الحق النقابي، الذي ظلّ، رغم تعاقب الدساتير، أوّل الضحايا عند كلّ إعلان للطوارئ.
ضياء تقتق، الشعب الورقية بتاريخ 29 جانفي 2026