الاستقلال المالي شرط السيادة النقابية

الشعب نيوز/ باقلام النقابيين - لطالما كان المال في الحركة النقابية التونسية أكثر من مجرد مورد إداري أو محاسبي، إنه رافعة للسيادة وأداة حقيقية للاستقلال ومؤشر على قوة القرار النقابي. فالاستقلال المالي هو البوابة التي تضمن للاتحاد العام التونسي للشغل القدرة على اتخاذ مواقفه بحرية، بعيدًا عن الابتزاز السياسي أو التدخلات الإدارية، وهو الضمان الأصدق لصوت العمال، بحيث يكون منبعًا للنضال الاجتماعي وليس صدى لمصالح الدولة أو الشركات.
تاريخ الاتحاد منذ تأسيسه وحتى اليوم يُظهر أن كل معركة من أجل السيادة التنظيمية كانت مرتبطة مباشرة بالبحث عن استقلال مالي، وأن أي مشروع نقابي قوي لا يمكن أن يقوم دون أدوات مالية متينة وراسخة، لا تبعًا للوسيط الإداري ولا للسياسات الحكومية العابرة.
تجربة أحمد التليلي،الاستقلال المالي كخيار سياسي واستراتيجي
لفهم معارك اليوم، لا بد من العودة إلى محطة مفصلية في تاريخ المنظمة، ففي أعقاب المؤتمر السابع للاتحاد العام التونسي للشغل المنعقد في 22 سبتمبر 1957، وانتخاب أحمد التليلي على رأس المنظمة،، صدر بتاريخ 23 ديسمبر 1957 منشور عن كتابة الدولة للرئاسة ينصّ على اقتطاع 1٪ من أجور الموظفين وأعوان المنشآت العمومية لفائدة الاتحاد، ودخل الإجراء حيّز التنفيذ في جانفي 1958.
غير أنّ القيمة الحقيقية لهذه اللحظة لم تكن في المورد المالي ذاته، بل في الرؤية التي وجّهت استعماله. فقد أدرك التليلي مبكرًا أن الاستقلال النقابي لا يُبنى على مورد واحد مرتبط بالدولة، بل على تنويع المصادر وبناء مؤسسات ذاتية تجعل الاتحاد أقل قابلية للضغط والابتزاز. فقد أدرك التليلي أن الاعتماد على مصدر واحد، مهما كان رسميًا وموثوقًا مثل الخصم الآلي للاشتراكات، لا يكفي لتأمين استقلال النقابة على المدى الطويل. ومن هنا ظهرت رؤيته الاستراتيجية في تنويع الموارد وبناء مؤسسات تمثل قوة النقابة الاقتصادية والتنظيمية.
ضمن هذه الرؤية، أسس الاتحاد تعاضديات عمالية لتوفير الخدمات الأساسية للمنخرطين، وأنشأ بنك الشعب الذي أصبح ذراعًا ماليا للمنظمة، وأحدث شركة للتأمين ووكالات للأسفار لتوفير خدمات عملية ومستدامة، إضافة إلى مطبعة خاصة لجريدة الشعب لتأمين صوت النقابة دون تدخل خارجي.
لم تكن هذه المؤسسات مجرد مشاريع ربحية، بل آليات تحصين القرار النقابي، وتمويل مستدام للنضال، وتعميق للسيادة المالية، وربط مباشر بين المنخرط ومنظمته. لقد جسدت تجربة التليلي أن الاستقلال المالي لا يُمنح، بل يُبنى بعناية ودقة، وأن الاستثمار في الخدمات والمشاريع الاقتصادية للنقابة ليس رفاهية، بل ضرورة استراتيجية.
أزمة 1985 و اختبار السيادة المالية
شهد الاتحاد اختبارًا حقيقيًا لاستقلاله المالي في أزمة 1985، حين أوقفت حكومة محمد مزالي الخصم الآلي للاشتراكات. كان القرار سياسيًا بامتياز، يهدف إلى إعادة فرض السيطرة على النقابة، لكنه لم ينكسر؛ بل تحوّل الاتحاد إلى اعتماد مباشر على النقابات الأساسية، وتشديد الانضباط المالي، وتعميق التضامن القاعدي.
أثبتت التجربة أن الموارد المستمدة مباشرة من المنخرطين أكثر متانة من أي موارد رسمية، وأن استقلال القرار يعتمد على القوة الداخلية للقاعدة العمالية، وليس على الامتيازات الإدارية أو الاعتمادات الحكومية. ومن هذا المنطلق، يصبح واضحًا أن كل محاولة للتضييق على النقابة أو التحكم في مواردها يجب مواجهتها باستراتيجية مالية متكاملة، مبنية على القاعدة والتنظيم الداخلي، وبأدوات حديثة تحفظ الاستقلالية وتضمن استمرار النشاط النقابي دون ابتزاز.
التجارب المقارنة:
عند دراسة التجارب المقارنة، نجد أن تونس ليست وحدها في هذا المسار الطويل نحو السيادة المالية. ففي المغرب، عزّز الاتحاد المغربي للشغل (UMT) تمويله الذاتي حين تعرض للتضييق السياسي في السبعينات، ونجح في الحفاظ على هامش استقلاله التنظيمي رغم الضغوط الخارجية. أما في الجزائر، فقد وفّر اندماج الاتحاد العام للعمال الجزائريين (UGTA) في المنظومة الرسمية موارد مستقرة، لكنه قلّص هامش استقلاله، ما أبرز العلاقة المباشرة بين التمويل والقدرة على اتخاذ القرار المستقل.
أما في فرنسا، فقد واجهت الكونفدرالية العامة للشغل (CGT) تراجع العضوية، لكنها نجحت في حماية استقلالها المالي عبر تنويع الموارد وتقديم خدمات ملموسة للمنخرطين، مثل التكوين، الاستشارات القانونية، الدعم المهني والمرافقة الاجتماعية، بدل الاعتماد على الدولة أو الموارد الرسمية. ومن هنا برزت أهمية الاستفادة من التجربة الفرنسية، ليس فقط في التمويل، بل في طرق الانخراط.
فالانضمام إلى نقابات مثل CGT وCFDT وFO يتم بطرق سهلة وشفافة: إمّا عبر المواقع الرسمية لكل نقابة (خانة Adhérer)، أو عبر المندوب النقابي في مكان العمل، أو مباشرة من مقر النقابة المحلي (Union locale). وتتراوح الاشتراكات عادة بين 100 و200 يورو سنويًا، مع إمكانية الدفع بالتقسيط، واسترجاع حوالي 66% من المبلغ كخصم ضريبي في فرنسا.
أما طرق الدفع فهي متقاربة بين هذه النقابات: الدفع بالبطاقة البنكية أونلاين، مرة واحدة أو بالتقسيط، الخصم البنكي التلقائي عبر RIB، الشيك الموجّه باسم النقابة، أو الدفع نقدًا في المقر المحلي. كما تُصدر النقابة إيصالًا ضريبيًا (Reçu fiscal) لتقديمه مع التصريح الجبائي، ما يضمن الشفافية والمصداقية ويجعل التمويل متصلاً مباشرة بالمنخرط.
الدرس المشترك واضح: الاستقلال المالي شرط لاستقلال القرار النقابي، وأن الأنظمة التي تربط التمويل بخدمات ملموسة للمنخرطين تعزز الصمود والنشاط النقابي الفعّال.
المؤسسات والخدمات النقابية، رافعة للسيادة
تجربة أحمد التليلي والتجارب المقارنة تؤكد أن بناء الاستقلال المالي لا يقتصر على الموارد التقليدية، بل يجب أن يشمل مؤسسات تحت اشراف المنظمة تجمع بين الربح المادي والربح الموضوعي. وتشمل هذه المؤسسات التعاضديات العمالية، مراكز التكوين، مشاريع اجتماعية للعمال و لعائلاتهم ، شركات التأمين، وكالات لتقديم الاستشارات القانونية و الخدمات الاجتماعية، ومطبعة للنشر النقابي. هذه المؤسسات تسمح للاتحاد بتقديم خدمات ملموسة للمنخرطين و توفر في الوقت نفسه موارد مالية مستقلة تعزز السيادة التنظيمية، و استقلالية القرار النقابي.
بهذه الطريقة، يصبح التمويل جزءًا من نموذج نقابي مستدام، يربط بين الاشتراك والمشاركة الفعلية والسيادة النقابية، ويعكس التزام المنظمة تجاه منخرطيها وحقوقهم الاجتماعية و تقلل من الاعتماد على الدولة أو على أي و سيط اداري.
الاقتطاع الإلكتروني: أداة الديمقراطية والشفافية
من الحلول العملية الأبرز التي يمكن أن تعتمدها النقابة في المرحلة الراهنة الاقتطاع الإلكتروني الطوعي. هذا النظام ليس مجرد تحديث إداري، بل أداة سياسية وتنظيمية تعزز استقلال القرار، وتضمن أن يكون الانخراط مبنيًا على إرادة واعية للمنخرط. يسمح الاقتطاع الإلكتروني للمنخرط بالتحكم في قيمة الاشتراك ودوريته، ويتابع وضعه بوضوح، مما يزيد من الشفافية ويعزز الثقة بين القاعدة والنقابة.
كما يتيح للنقابة الحصول على بيانات دقيقة عن المنخرطين، يمكّنها من تحسين التخطيط المالي و ضبط موازناتها المالية و متابعة حينية للانخراطات مع ربط التمويل بالأنشطة والخدمات، وهو ما يعكس نموذجًا متقدمًا من الحوكمة النقابية الرشيدة.
من الأزمة إلى التجديد
لقد أثبت تاريخ الاتحاد أن الأزمات ليست نهاية الطريق، بل فرصة للتجديد وإعادة ضبط العلاقة بين النقابة وقاعدتها. وقف الخصم الآلي في 1985 دفع الاتحاد إلى تعميق العلاقة بالقاعدة، وتنويع مصادر التمويل، وتشديد الانضباط المالي، وتعزيز التضامن الداخلي. واليوم، مع تحديات مثل تعطيل الحوار الاجتماعي، إيقاف التفرغات النقابية، والضغط على الموارد المالية للمنظمة، يشكل الاقتطاع الإلكتروني والمؤسسات التي تقدم خدمات ملموسة للمنخرطين أداة استراتيجية لتعزيز استقلال الاتحاد و دعم الانتماء الواعي للمنخرطين، ما يضمن قدرة المنظمة على الصمود، والمطالبة بحقوق العمال، والمساهمة في صياغة السياسات الاجتماعية والاقتصادية دون قيود.
السيادة المالية طريق الاستقلال النقابي
من تجربة أحمد التليلي إلى اليوم، يظل الدرس واضحًا: لا استقلال نقابي دون استقلال مالي، ولا سيادة للقرار دون سيادة على الموارد. إن بناء نموذج مالي متنوع و مستقل يضع النقابة في موقف قوة أمام كل المحاولات لتقليص دورها أو التحكم في قرارها، ويعيدها إلى مركز الصراع الاجتماعي والسياسي بصفتها صوت العمال وضمير المجتمع وركيزة التوازن الاجتماعي.
إن تعزيز الاستقلال المالي عبر هذه الأدوات ليس رفاهية تنظيمية، بل خيار سياسي استراتيجي يضمن استمرار الاتحاد كمنظمة قادرة على الصمود، التصدي لكل أشكال التضييق، والحفاظ على دوره التاريخي كمؤسسة سيادية، مستقلة، و مدافعة على حقوق العمال و ملتزمة بالقضايا الاجتماعية و السياسية العادلة.
.jpg)
فوزي الشيباني
مناضل نقابي من قطاع النفط والمواد الكيمياوية
