التحولات الثقافية الرمضانية

الشعب نيوز / حسني عبد الرحيم - شهر رمضان المبارك كان ومازال شهر للثقافة الشعبية حين كان الناس يسهرون عقب ” شق الفطر” والتراويح حتى السحور وصلاة الفجر في الحُوم الشعبية لمشاهدة عروض متنوعة من الثقافة الشعبية في “بطحة الحلفاوين” وبطحة” باب سويقة” وكذلك “عيسوية أريانة” و مُولد ”السيدة المنوبية” في تونس العاصمة ومسجد “السيدة زينب” و”الإمام الحسين” بالقاهرة والتي إحتفظت حتى الآن ببعض الموروثات الفاطمية ك”المسحراتي” و”فوانيس رمضان” وغيرها كما في طول البلاد وعرضها بكل البلاد العربية والإسلامية كانت العروض ل”خيال الظل” و”الألعاب البهلوانية” و”المهرجين الشعبيين “و”الفرق التمثيلية الأهلية “و”الألعاب السحرية” و”الحِواة “والرقص الصوفي وكذلك المطربين والموسيقيين المعروفين لدى فئات الشعب العامل والتي كانوا يستمتعون بها في المقاهي المحيطة بهذه الميادين العامرة ويتناولون سحورهم في محيط المكان .
هذه كانت مهرجانات ثقافية تلقائية ذات جذور تاريخية عميقة تم تشكلها عبر عصور وتعبر بصورة مباشرة عن أفراح وأوجاع الناس.
بعد إختراع الإذاعة و إنتشار أجهزة الراديو فيما بعد بدأت تبث المسلسلات الإذاعية عقب شق الفطر وبدأ تحول كبير للثقافة الرمضانية ببقاء الأهالي مرتاحين في ديارهم للإستماع للقصص التاريخية مثل” ألف ليلة وليلة” و”السيرة الهلالية” وكذلك التواشيح والأغاني الدينية للمطربين والمطربات المشهورين ك” أم كلثوم” والتي تغنت بالعديد من أشهر القصائد الدينية.
وبدأت مع الإذاعة الإشهارات التجارية لسلع إستهلاكية مستفيدة من بقاء الناس مستمعين لأجهزة الراديو وكانت الإشهارات عادة تُبثُ قبل إذاعة المسلسل أو في نهايته كما كانت محدودة.
دخول التلڤزة أحدث إنقلاب كبير فالمسلسلات والمسابقات التلڤزية أصبحت ظاهرة رمضانية بالأساس وبدأت المنافسة في إنتاج المسلسلات بين المصريين والسوريين والأتراك ثم دخلت المسلسلات التونسية في السباق ومع الشبكات التليڤزيونية الفضائية يمكن للمشاهدين المفاضلة بين عشرات المسلسلات التى تبث في أوقات متقاربة عقب شق الفطر وتمتلأ بالإشهارات التجارية في البداية وتقطيع خلال الأحداث والنهاية حتى صارت الوسيلة الأساسية للترويج والدعاية و صارت شركات الترويج السلعي تمول إنتاج الأعمال التلڤزية منذ الكتابة حتى الإخراج حتى أصبحت زمن المسلسل أغلبيته إشهارات تتخللها أعمال درامية ..
وأصبح إنتاج وتوزيع مسلسلات رمضان مجال واسع للأرباح تتنافس عليه القنوات التلڤزية المتعددة بعد هجر الإعلانات للصحافة الورقية التى تعاني من تدهور التوزيع مع توسع الإصدارات الرقمية في كل بلاد العالم .
ناهيك عن الأثر المباشر على السلوك الإستهلاكي بمشاهدة الأعمال التى تستخدم الغناء والتمثيل والرقص في إخراج الإشهارات حتى إستخدام المشاهير من فنانيين ورياضيين لجذب المشاهدين وبالتركيز على الصغار للترويج الإستهلاكي ،بطبيعة الحال تقلصت الإحتفالات الثقافية الشعبية في أماكنها الطبيعية ووسط جمهورها المتفاعل لكن بعضها قد تم دمجه في أعمال تلڤزية ومسرحية بتقنيات حديثة تعرض بمحطات التلڤزة ك”الليلة الكبيرة”(مسرح عرائس- صلاح چاهين سيد مكاوي وصلاح السقا) و”الحضرة”مسرح -تليفزيون ل”فاضل الجزيري “وفي إحتفالات ثقافية تعرض”الإسطمبالي” (أبوسعدية) .
أصبحت” السيرة الهلالية “نص أدبي مقروء بعد تجميع رواياتها الشفوية من تونس ومصر بواسطة “ الشاعر عبد الرحمن الأبنودي” لكن تبقى هنا إمكانية إحياء لأشكال الثقافة الشعبية العضوية.
في عديد من المدن الأوروبية مثل” سويسرا” و”ألمانيا” واللاتينية ك”البرازيل” يتم الحفاظ على الموروث الثقافي الشعبي في صورة "مهرجانات" سنوية في أماكنها الأصلية لإنه بنيان لمخيال مؤسس ومخزن للإبداع الجمعي وليس عائقآ للتقدم والتقنية الفنية وهو يشكل الذاكرة الجوهرية للحس الجمالي والثقافي الشعبي.
الذاكرة الثقافية العضوية للشعب هي بالأساس إحتفالية وهي لاغنى عنها للإنسجام النفسي والتعبير الجماهيري الثقافي الحر بما يمكن من العمل بسعادة والمشاركة الوجدانية للجماهير في الحياة العامة.