المجموعة الشعرية "نيرفانا" لسلوى القلعي : السّيرة المرسلة

الشعب نيوز / المنذر العيني - توطئة : يتحرّك السّير ذاتي في منتبذات خفيظة من المناجاة، فتجدل الحوارات ويحتدّ الأخذ والردّ من متعهّدات وصروف، حيث تبرعم اللّغة في سياقاتها الحيّة تجهر في محنتها، تستدرج حجوزاتِها من الذّاكرة أو من ما قد يؤول إلى ذلك في التّحقّق أو أمله فيه. والّذي ينبعث من هذه المتعهَّدةِ الحيّةِ في الكتابة الشّعرية، هو هذه العيّناتُ من مفارقاتٍ عديدةٍ، منها ماهو متعال بعيد في مجازاته الاستعاريّة ومنها ماهو مجاور يتعدّى في مردوديّات مجازيّة أيضا لكنّها مرسلة لها إحالتها من التّمثّل التّصويري، تنبئ عن تصريف من الشّعر وهو يلتبس بصاحبه في معيشه وفي متلفّظه وهو يجرُؤُ بكل طرافةٍ وبكلّ اقتدار من التّمكين الدّلالي، ما يجعل من السّيرة تأطيرا بيانيًّا رائقا يرتقي في الغضون نصوصا إنشائيّة تخبر قدر ما تنشئ وتنشئ قدر ما تخبر.

تقديم:
حين نوزّع النّظر على الخارطة الشّعرية التونسيّة المعاصرة تتوزّع نقاط مضيئة تمثّل كتابات لها خصوصيّتها من حيث المعيش ومن حيث الإنشاء. هذا ما تخبر به أوّلا تجربة الشّاعرة سلوى القلعي وكل من ٱنسها يكتشف ذلك من طلعتها وهي تدير حلقة، أو تعود إلى حديثها عن عوالم شعرية غارقة في سباتها، أو ناهضة من مغامراتها تودّ أن تطرحها أو أن تواترها بتلك التّعجبّات من أنفسنا كيف نتقاسم مشتركاتنا هذه الضّئيلة الجائزة في الٱن نفسه والعالم من حولنا براغماتي حائز. هل هذا هو الشّعر الذي يتحدّثون عنه؟ هل هذا هو الوقوف المعاصر؟ هل هذا هو قدرنا نحن الكائنات الهشّّة أمثالنا؟ تسأل سلوى وتعيد، ولا ينتهي تعليقها عن مَثَل دارج، أو عن أحجيةٍ في " المهموتة" أو عن بيت من مدارج الحافظة، أو عن سبب أو وتد للحركة على القماشة أو الرّكح أو أمام الشّاشة.
هو مدخل خاصّ للعبور إلى مجموعتها هذه "نيرفانا" مجموعة من ستّة وثلاثين نصّ موزّع على ثمانين صفحة تحتضنها لوحة الغلاف تدخُن تمثُلُ فيها صورة امرأة تنظر إلى الأعلى هازئة في تمازج مع طقوس هذه السّرديّات في منعطفاتها المختصرة. نصوص من النّثريّات الشعريّة، هكذا دون مقدّمات هكذا دون فلسفة عن زيجات بين القوافي والحواف أو مكياجات أجراس داخليّة هنا وهنا، هكذا حتّى تبدأ في حياكة ثقافتها عن الإفصاح داخل هذه البيئة الشّعريّة من خلال ما ترسّب من قراءات ومن معاشرات لمدارات شعريّة اختصّت بها مدينة "قليبية" التي لا تبطِئ في سائر مناسباتها الأدبية، لقاءات في المهرجانات، حلقات "باروليتا"، نوافذ ڨاليري ريدار لصاحبته الفنّانة التّشكيليّة هاجر ريدان ب"منزل تميم"، مع ثلّتها من المبدعات تتقاسم معهنّ التّمائم والمفاتن للرّسومات والمقامات والأقواس. تنتبه إلى مشاغل وفواعل ودوافع من حيثيّات هذا العالم الشّعري للٱخرين الزّائرين لهذه الفضاءات، كينونة متوهجّة لفعل الكتابة تحاول أن تنفرد بإمضاءاتها ترقب من قريب ما يمكنّها داخل نصوصها أن تتعرّف على نفسها تكتبها أو تكتشف ذاتها من جديد. المجموعة من تصفيف وإخراج دار "وشمة" للنّشر والتّوزيع، في عدد من عناوين تغزل وحدتها المعنويّة من بحوث عن جداول للصّفاء وعن ذهاب إلى ما يشبه الخلاص أو النّجاة من متخلّدات ماديّة حتى تتقّيَ الباثّة شرورَ الانغماس فيها لترتقي إلى حالة من التّشوّف أو من التصوّف والهبوب، تستسلم للجميل في نثريّاتها الحنينيّة في مفارقات هادئة تتراءى من بين الثّقوب والفجواب التّلفّظيّة وبين أعراض الجمل تستجوب أخبارها الغائرة. فما الذي تتركه القراءة هذه ل"نيرفانا" في فتحها للأبواب الخاطئة الغائرة على لسان راويتها سلوى وهي في تماس مع الإماتة ومع الإحياء، جدل الشّجون مع غرق أو علق في دوائر مصائدها. شؤون صغيرة داخليّةٍ كفيلة بٱداء هويّتها، قد تقيم بها الدّليل على سيرتها الشّعريّة خارج أو داخل النصّ.
نيرفانا : السّيرة المرسلة
المهمّ من الكتابة أساسا هو الوعي بالإنشاء، أن يتعقّب المرء طريقته في الأداء التّعبيري يخلص له حتّى يصير تنفسّه الخالص، ذلك ما انتبهت إليه سلسلة نيرفانا عبر ما نفّذته سلوى القلعي في انحيازها إلى ذاتها إلى صوتها الدّاخلي يروي سيرتها، ألم يقل كبيرنا درويش" من يكتب حكايته يرث أرض الكلام ويملك المعنى تماما". هكذا بدأت صياغة مدوّنتها بعد أن رتّبت عتبتها أو مدخلها بالمعنى الذي ساقه الإهداء في إبهامه الأوّل " إلى فتوح الغيث، إلى الثّلج والماء والنّار" ذلك أن العنوان قد باشر حالة الانطلاق برغبة خاصّة أو بطقس غير منحاز لأحد، منحاز لعناصر تكوينيّة في رمزياتها تعبر به إلى ذاتها عندها بالوفاء، هي في حالة من التّجلّي تجريديّة داخليّة في ٱن، في صلوات نفسيّة منسجمة وحميميّة.
كيف سيتعاقد هذا البدء مع سنراه داخل المتن من مجاورة ومن حيثيّات ومن قطع من سير ذاتيّة مخصوصة !؟ تعلو فيها الأنا تتظاهر وتختفي عبر الإسناد إلى وجوهها تلعق فيها أو تتلاعب بها، هذا ما نستشفّه في مناخاتها وهي ترتدّ إلى ذاكرتها الخصبة بدقّة تدعو وترنو إلى الصّفاء."
نيرفانا" هذه الأحداث الّتي تسعى في حقولها الشّاعرة أن تنشئ مراسم أخرى للكتابة تجرؤ أن تكتب مثلما تتكلّم تؤذن بخصوصيّة دامغة في الكتابة " النّسوية"التّونسيّة بطرافة أخذها في نشر ثنائيّات مثل " لم يكن أبي عظيما...ولكنّه كان أبي" فهذه الاستدراكات تنثني دالّة على حالات يتميّز بها الخطاب التّفسيري فهو ينفي ويؤكّد ليثبت حركيّات في بُنًى مثل هذه ضيّقة المقام حتّى نشترك معها في بناء المعنى والدّخول شيئا فشيئا إلى مدارتها من هذه المجازات المجاورة وهي تروي سيرتها بدءا بشؤون طفوليّة تستمرّ في سباقاتها في رصد ما ينشأ من نسق كتابة بدأت تطرب له معادلتها في زرع طرافةٍ ما، أو حصاد ما، من شغورات تملأ بها الأسطر ومن تخليقات حيّة مشتركة في عيشها الشعريّ أو نظرنا له، في طريقة نحتها طريقتها في الكتابة " في جمجمتي ٱلاف الضفادع التّكتونيّة" أو " حيث تتمتّع ٱلاف القشريّات في الظّلمة بالغموض اللّازم وبالسلاّم" أو " ليتك أيها الشّعر تخبرني كم سيّدة قتلتَ" لا يقف التّسويغ في رصد الحالة عند تمثيلها الرّكح عند فعل الكتابة وهو منزع قديم جديد، منذ صيحة أبي تمام" ولماذا لا تفهم ما يقرأ؟" ينبني وينبئ عن محنة وعن تساؤلات في تجلية الشّاعرة أمام نفسها وعلى الورقة كأن تخاطبَ الذات الالاهية تصطحب خطابها وتسحبه برفق إلى علاقة شبيهة بالالتحام" كان الله يحبّ العاشقين"" قال لي مرّة أن اللٌه قد صنع البشر ليتسلّى برؤيتهم يعملون"" حين مرّ اللّه من هنا" ... والأمثلة عديدة في انفتاحها على المباعث هذه، في تواصلها مع الذّات الإلاهيّة، وهي تهتزّ على لسان شخصيّاتها عبر شرائط أو لقطات من سينمائيّات ممسوسة نراها وترانا تفتح ستارتها المسرحيّة على الماشي والجائي في توليفات من ملاحظاتها تذكر وتذمّ وتعرف وتعترف " كان الجميع مجرّد خطوط" " شكرا لسوق الملابس المستعملة". مجاورات تقرّب الصّورة منّا غير متحفظّة أو محافظة، شأن الشّعر في ما هو ينزل يصعَد في مردوديات تترافد مع مقروئيّات للماغوط أو جماعته من أنسي الحاج أو من بول شاوول أو مع من سافرت معهم الشاعرة من الشّعر العالمي بريفار أو بسوافا أو من نثريات نسوية مقاومة أمثال نوال أو مستغانمي أو ممّا خزنّته ذائقتها في لقاءاتها بجمال الجلاصي أو مجدي بن عيسى...أو أخيّاتها ناسيمي ليلى أو غيرهنّ من التقدّميّات.
هي تصدُق في حِرفياتها حتّى عند دمجها لملفوظات يوميّة أكثر قرابة إلى المحكيّ تصهرها في مقاماتها الحكائية فتصير أكثر إستعارية في أصالتها حيث تقرّب بين قرائنها فنلتفت لذلك ويشتدّ الانتباه" البقشيش، سفينْٱب، البيرّا، البطّانيّا، الكراميلْ اُشْشْ...".
الوصف يعتمد أيضا على معجميات لها علاقة بالفعل النّقدي و بالتساؤلي وبالجملة التقييميّة من خلالها تريد أن توارب الباب على هذه الدقّة في مضيّها الانشائي " أنت حداثيّة ، وهذا لا يعجبني".
غير أنّ الإشارة لا تبتعد عن الحكايا المقتضبة في هذه المجموعة بإرساله السّيرذاتي والدّفع به إلى حرارة التتبّع دون رهانات عسيرة في فكّ شفرة الغوص" مررت تحت الحزن بلا مطريّة"، جملة ذات وشائج قربى مع من يقرؤها ، مع منشئتها سلوى القلعي في نيرفانا أقرب إلى رسم حدودها في حرارته الاسترجاعيّة مع ما مضى أو مع ما سيأتي، في دلالات تحيل على أخرى دون فقد البوصلة أو السّعي إلى معانٍ ممكنة عبر الإرسال يجوّز أو يزوّج حالتها مع ذاتها ومع العالم.
خاتمة
سلوى القلعي شاعرة استطاعت أن تتقن نفسها تعبيريّا عبر الإجازة المرسلة وهي تنجو بنفسها من نفسها ترتاد ذاكرة لتفضحها أوتعبر أزمنة لتجتازها في شبهة أقرب إلى حلقة تمثيليّة عالية محفّزة بكلّ ٱداءات الشّعر في أن تحلم النّفس بكلّ شيء، حيث الوقائع ضبابيّة مكشوفة في ٱن، جريئة مانحة قدرا كافيا من خصالها خارج النصّ.
