" لقد شرع الاتحاد العام في تنفيذ قرار الاضراب العام حسب مقررات اللجنة العليا و الهيئة الإدارية و قد كان ذلك الاضراب رهيبا و لم يسبق له نظير في حياة بلادنا الاجتماعية في نظامه و هدوئه و أهميته و امتثال القائمين به للأوامر القاضية بالمحافظة على الهدوء التام أمام الهجمات العديدة المتنوعة. و قد تعطلت الأعمال و توقف سير الحركة في جميع النواحي و كان أمر الاتحاد مطاعا و جنوده البواسل يفرضون احترام منظمتهم العتيدة و ذلك لا بوسائل العنف و لا باستعمال القوة الفاحشة مثل ما إدعي بعضهم و لكن برصانتهم و ثباتهم و تفهمهم لواجباتهم و غيرتهم على مشروعهم المفدي فكان النجاح حليفهم و الشعب بأجمعه يرمقهم بعين العطف و التشجيع لما يعهد في منظمتهم الاتحاد من المثابرة على المصالح العمومية و الدفاع المستميت على الحق ضد الاستبداد و العدالة ضد الظلم فلم يرق ذلك السادة المستثمرين الذين رأوا في نجاح إضراب الاتحاد خطرا عظيما على كيانهم و على مكانتهم التي امتازت باحتكار الثروات و توفير الأرباح الغير المشروعة على كاهل الطبقة العاملة بل على كاهل الشعب التونسي بأجمعه.
و لم يرق ذلك أيضا المنظمة النقابية الأخرى التي تدعي أنها تدافع عن الطبقة العاملة و التي إظهرت في هاته المناسبة و في هاته الظروف الخاصة ما تضمره من سوء إلى العملة و إلى منظمتهم الوحيدة التي وقفت وقفة الأسد في وجه الاستعمار الرأسمالي و لم يكن موقف منظمة الوستيتي ( USTT ) موقف المنظمة المزاحم فحسب بل كان موقفها موقف العداوة التامة قبل الاضراب و بعده و خاصة بعد الكارثة المؤلمة التي ابتليت بها مدينة صفاقس التي كانت الوستيتي ( USTT ) منبع البلاء فكانت نتيجة هذه العداوة الراسمالية أن تحركت القوات المسلحة تزهق الأرواح البريئة و تفتك بالنفوس النبيلة و تريق الدماء الطاهرة الزكية ، كل ذلك بدون أن يصدر عن إخواننا المصابين ما يبرر هذا الهجوم الحربي الشنيع.
وقد تناولت الصحف هذه القضية العظمى و نشرت البيانات المفصلة ليكون للراي العام الحكم الأعدل في هذا الحادث المريع و سيجد القارئ الكريم بجريدتنا هذه تفاصيل أخرى تجعله مطلعا كما يجب على أسبابها ولقد ظنت الشركات الاستعمارية المستثمرة أنها بهاته الفضيحة ستقضي على معنويات العمال و ستنال منهم و من شجاعتهم مما يجعلها في مأمن من مطالبتهم إياها في المستقبل بتحسين حالهم.ظنت أنها بهاته المجزرة الشنيعة و بالتهم المشينة ستقضي على منظمتهم النقابية العظيمة و تفوز بالاطمئنان من الخطر الداهم الذي يحيط بها منذ أخذت حركتنا النقابية القومية تعمل جديا في تطبيق برنامج سيرها للنهوض الاجتماعي ببلادنا.
و ظنت المنظمة النقابية الأخرى أنها ستبقى وحدها في هاته الديار و يصفى لها الجو فتبيض و تفرخ مثل ما استتب لها الأمر عندما وقع القضاء على حركة محمد علي و على الجامعة التونسية للشغل ظنوا كلهم …. و لكن ذهبت أحلامهم أرادوا القضاء على الاتحاد لكن … لم يمت الاتحاد بل أصبح بعد هذه المعمعة أقوى مما قبلها يصرخ فتدوي لصرخاته الجبال …
خرج الاتحاد من هذه المعركة منتصرا ظافرا يستمد من أرواح شهدائه و ضحاياه قوة متجددة تجعله ينظر إلى المستقبل بعين الرجل المؤمن بنجاح قضيته و الواصل لا محالة لغاياته فمهلا أيتها الشركات الظالمة المستبدة و مهلا أيتها المنظمة البغيضة ( USTT ) فقد خابت آمالكم و ذهبت مساعيكم الشيطانية أدراج الرياح.
فالاتحاد لا زال هو هو و أنصاره لم يزالوا في ازدياد و الشعب كله لم يزل مؤيدا له و الله من فوق الجميع يحميه و يرعاه."
فرحات حشاد … 15 أوت 1947.
المصدر: كتاب سالم المنصوري : رسالة الاتحاد العام التونسي للشغل…
من مدونة الاخ عبدالخاق قفراش، الكاتب العام المساعد سابقا للجامعة العامة للكهرباء والغاز.
