13.6 C
تونس
18 مارس، 2026 04:01
جريدة الشعب نيوز
ثقافي

توفيق الجبالي، هذا “المجنون” الذي لا يكف عن اختراع تساؤلات مُلهمة تؤدي لتساؤلات جديدة.

الشعب نيوز/ حسني عبدالرحيم –

بعد العروض الكاملة العدد على رُكْح" التياترو "خلال موسم كامل ، يذهب الجبالي بالمجنون" الى"باريس" حيث كان كامل العدد ويعرج على الهند- بلاد تركب الأفيال – في "مهرجان كيرالا للمسرح "ليتم تقديم العرض شبه المسرحي في المهرجان في النصف الأول من شهر فبفري 2024"

الجبالي" أخرج المجنون لأول مرة منذ عشرين عامأ عن شذرات أدبية – فلسفية بنفس العنوان ل"جبران خليل جبران" و كانت وفق تقنية وأسلوب مسرحي لذلك الزمان. "جبران خليل جبران" هو شاعر المهجر الرومانسي الحالم والمسيحي الصوفي المغترب الذي ألف "النبي" وهو كتاب من أكثر الكتب قراءة في العالم المسيحي الغربي وربما يأتي في المنزلة الثانية بعد الأنجيل. كتب المجنون بألإنقليزية في عام 1918 و تمثل هاجس آخر لجبران هو وضعية المنشق عن الرأي العام المغترب بلا عودة ليس فقط عن الوطن بل العالم ذاته وعن الخطاب المقبول عقليآ والذي يصبح في حالات كثيرة "المجنون"  

"أنا غريب في هذا العالم يا صاحبي أنا غريب يا صاحبي..يا صاحبي..يا صاحبي.." يعتبر في الكثير من التراث الشعبي من "مسه الجنون"متفاعلآ مع قوى خارج الطبيعة وأصبح ممن نسميهم"رجال الله" لا يتوجه بكلامه اللامنطقي لمجال عام متوافق ولكنه يتحاور مع أصوات أخرى خارج الموجود المادي ..لقد أرتبط ذلك في بعض التراث بألحكمة (خذوا الحكمة من أصوات المجانين) كما في حالة العبد الصالح (سيدنا الخضر)مع سيدنا موسى عليه السلام (إنك لن تستطيع معي صبرآ).

يعتبر الفن في بعض أوجهه نوعا من التشابك مع الماورائي (الفنون جنون) لإنه في أحوال كثيرة يرى ما لا يراه الآخرون..ما هو مخفي تحت غطاء الحياة اليومية والمقولات المعقولة وماهو غير متوقع ويقوم الفنان بإستكشافه بحدسه، لهذا كانت ضرورة الفن الذي يشغل موقعا مختلفا عن الفيزياء والسيسولوچيا.

العودة للعمل نفسه"المجنون" بعد عقدين يطرح السوال لماذا؟ ويجيب عليه تقريبآ "توفيق الجبالي "بمشاهد وليس كلمات فألعمل في طبعته الأولى هو مسرح أدبي وفي تحقيقه الحالي هو خروج عن التقليد المستقر للمسرح ألأرسطي ليطرح مفهوما جديدا هو "المشاهدة" (الفرجة) عبر إستخدام لعناصر تطورت خلال نصف قرن من "السيموغرافيا" و"الكاليغرافيا" و"الموسيقى المسرحية" والإضاءة والكلمات المتقاطعة التي تترك تاثيرا والتى لا تهدف لتقديم إقتراحات أو مقولات ولكن إحداث إنطباع وتأثير يشترك في تنفيذه كل من المشاهد والممثلين الذين يعبرون بأجسادهم واجسادهن قبل أصواتهم وأصواتهن عن معنى يُفهم بشكلٍ ضبابي ووفق نحوية خاصة به وليست لغوية أو كلامية. ويدخل الديكور كعنصر تمثيلي متحرك وليس تزيينا للمكان. الحواجز المتحركة التى يختفى ويظهر بها ويمثل معها الممثلون والممثلات الأ ربعة ليست تكملة للمشهد بل جزء جوهريا من التأثير الفرجوي المتجاوز للأدب. هكذا يخرج للعالم تصورات وحقائق غير مدروسه تمامآ ولا عفوية، من خلف حواجز شفافه وبلا أصوات لغوية محكمة، كما لا وعي "سيقموند فرويد"

توفيق له شان خفيّ كما لكل كائن شان وهو قد تجاوز السبعين لكي يبقى قلقآ كما ينبغي لفنان ليمارس الفن كهاوي أبدي . ومنذ سنوات وبدءآ من عرض "ثلاثين وانا حاير فيه" مرورآ ب"على هواك "ومؤخرآ العودة بعرض "المجنون".. لابيدو وأنه قد استقر على حال وكما قال في عمله السابق" ليس في يدي شئ ..وأنا رغمكم فنان كبير" . قدرته الكبرى بين نظرائه من جيله والأجيال التالية هي شجاعته العقلية والنفسية وقدرته على تجاوز نفسه للأمام حتى وهو يتراجع لعمل سبق وأن قدمه منذ عقدين.

تبدو المقاطع الشعرية والرسومات الأصلية لجبران كما لو قناع يتقنع وراءه المتمرد العجوز "توفيق الجبالي" والذي شكلته أجساد وأرواح الممثلات الراقصات بكاليغرافيا " آمال العويني"، "أمينة البديري"، "ياسمين الديماسي" مع "مروان الروين"و لا نتصور سوى أنهن وهو أقل من مشاركات في التصور والمحتوى الفرجوي بأجسادهن وجسده ليس وفق مفهوم سيميولوچي لتشخيص المعاني في حركات ولكن في البحث عن نحو منطقي (Grammaticalisé) للحركات والإيماءات وتبدو بينهن "آمال العويني" كألمسكونة بأصوات المد والجزر البحري كما لو بنعومة متوترة و منسجمة كعزف "mélodie " لموسيقي الحجرة لشوبان.

عزف جسدي منطلق وحده في الفراغ ليلتقي في الميزان الشعري والموسيقي بتضافر بهارموني مع "مروان" المسكون بما لايعلمه إلا الله وحده. كسهم ملتهب في الفضاء الفرجوي. بينما "أمينة" و"ياسمين" الرائعات في الإداء كذلك لكن المسكونات بمعانى مختلفة مُعقلنة أكثر وأقل توتر، ضمن ذلك التنوع الهارموني المركب والغير قابل للترجمة الى كلمات.

عندما أضاف "الجبالي" بعد العرض الأول في التياترو في الختام لوحة لعلم فلسطين على الشاشة لم يكن هذا تزيدآ نضاليآ على منطق العرض بألعكس، فألقضية هي..هي، الإختلاف عن الأمرالواقع حتى بالجنون أو المقاومة أو كلاهما !

لانعرف كيف تفاعل الجمهور الهندي مع الولوج الجديد وليس الأخير ل"توفيق الجبالي" لكن كانت هناك في الهند (كما شاهدنا في الفيديو) مسرة وإبتهاج وإندهاش في القاعة المزدحمة بألهنود -الذين يركبون الأفيال- وملآوا قاعة العرض عن آخرها.

لانحب ولا نكره "توفيق الجبالي " كما ينبغي له ولمسرحه العظيم لكن نراقبه ونتابعه بشغف كشغف العاشقين والعاشقات للتجاوز. هذا العجوز'الفَرِحْ الذي لايكف عن الإختراع المُلهم بلا إجابات محددة بل بتساؤلات مُلهمة تؤدي لتساؤلات جديدة ، والذي ربما يخبرنا ذات يوم بما لانستطيع عليه صبرآ متخفيآ وراء كلمات جبران الأدبية أو وراء كلمات كاتب آخر يخطر على باله!

"كتبت في الجزر على الرمل سطرا   

فلم أجد في الشواطئ سوى جهلي

كَتَبتُ في الجَزرِ سَطراً عَلى الرَّمل

أَودَعتَهُ كُلَّ رُوحي مَعَ العَقل

وَعدتُ في المَد أَقرا وَأَستَجلي

فَلَم أَجد في الشَّواطي سِوى جَهلي"(جبران خليل جبران)

* نشرفي الشعب الورقية

مقالات مشابهة

رحيل “سيدة المسرح العربي” سميحة أيوب عن عمر يناهز 93 عامًا

admin

جوائز المهرجان السينمائي الدولي ياسمين الحمامات : افضل الافلام التونسية ل”نرجعلك”و”تحت الشجرة “و”قرار “للموبايل

admin

توج بالتانيت الذهبي سنة 2014: أيام قرطاج السينمائية تكرم المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد

admin