ما لم يقع تنقيح القانون الأساسي والنظام الداخلي للاتحاد العام التونسي للشغل بما يجعلهما كفيلين بتشبيب القيادات وقطع الطريق امام الممارسة البيروقراطية، فان المؤتمر القادم، سواء عقد في مارس 2026 او جانفي 2027، لن يغير في الامر شيئا.
وحتى لا نبقى في العناوين الفضفاضة والرجم بالغيب، نطرح تصورنا للتنقيح المنشود، وهو تصور وصلنا اليه بعد سنوات طويلة من الممارسة العملية وخاصة من الملاحظة الدقيقة للسير اليومي للمنظمة.
المدة النيابية للمسؤولية النقابية
على مستوى المكتب التنفيذي الوطني
نقترح ان تكون ذات 4 سنوات مثلما كانت من 1957 الى 1989، حتى يمكن من خلال نسقها المتسارع – ولو بسنة واحدة – ان توفر لعدد متزايد من النقابيين فرصة الترشح لهذا الهيكل القيادي وممارسة المسؤولية صلبه.
ولعلم من لا يعلم، فان الفترة المذكورة شهدت بالأرقام المجردة انتخاب 105 نقابي منهم 43 جديدا بالنسبة الى ما سبق. اما الفترة الممتدة بين 1993 (حيث صارت المدة النيابية 5 سنوات) و2022 (حيث رفع عدد الأعضاء الى 15 بدل 13) فقد شهدت بالأرقام المجردة انتخاب 106 نقابي منهم 38 جديدا.
وباعتبار تجدّد انتخاب العديدين اكثر من مرة بل مرات عديدة فان العدد الجملي الصافي للنقابيين الذين انتخبوا أعضاء في المكتب التنفيذي من 1946 الى 2022 لم يزد عن 131 نقابي. ( لم نحتسب مؤتمرات التنصيب والسطو لسنوات 1965 و1969 و1978 و1986 كما لم نحتسب النقابيين الذين كانوا طرفا في تلك المؤتمرات)
وتبعا لذلك، نقترح موعدا دائما للمؤتمر العام يكون في جانفي (ذكرى التأسيس) كل 4 سنوات.
على مستوى الجهات والقطاعات
تكون المدة النيابية لأعضائها ( بما ان كتابها العامين يصبحون أعضاء في الهيئة الإدارية) 4 سنوات أيضا وتعقد مؤتمراتها العادية مباشرة بعد المؤتمر العام وفي حيز زمني لا يتجاوز شهر جوان.
على مستوى الفروع الجامعية والاتحادات المحلية
تكون المدة النيابية لأعضائها ( بما ان كتابها العامين يصبحون أعضاء في الهيئة الإدارية القطاعية والجهوية) 3 سنوات وتعقد مؤتمراتها العادية مباشرة سنة المؤتمر العام وفي حيز زمني يمتد من شهر جويلية الى شهر ديسمبر من سنة المؤتمر العام.
على مستوى النقابات الأساسية
نقترح ان تكون المدة النيابية للنقابات الأساسية متراوحة بين سنتين وثلاث سنوات وذلك حسب عدد منخرطي كل نقابة. فاذا كان عدد هؤلاء كبيرا بما يدفع الى رغبة كثيرين في تحمل المسؤولية، تكون المدة النيابية بسنتين. اما اذا كان عدد المنخرطين قليلا، فالمقترح ان تكون المدة 3 سنوات.
والخلاصة ان من شان تحديد موعد دائم للمؤتمر العام والمؤتمرات الجهوية والقطاعية والمحلية والفرعية ان يفرز قيادات منسجمة على مختلف المستويات وشريكة بالفعل في القرار.
طول المدة النيابية
نقترح ان يقع الترشح لعضوية المكتب التنفيذي الوطني ومكاتب الجهات والقطاعات مرتين لا ثالث لهما وذلك انسجاما مع روح فصل تحديد المدد النيابية المصادق عليه بحماس غير مسبوق في مؤتمر جربة الاستثنائي المنعقد في فيفري 2022. يجب ألا ننسى رمزية سن ذلك الفصل حيث انه كان رسالة مباشرة الى الرئيس زين العابدين بن علي الذي كان قد بدأ قبل اشهر في التخطيط والترتيب لتحوير الدستور والترشح لمدة رئاسية رابعة.
وفي رأينا، يكفي المناضل النقابي الحقيق ان يقضي 8 سنوات في المسؤولية منقطعا خلالها لخدمة المنخرطين والمنظمة والبلاد وان يترك المكان لمن بعده. وله ان يعود للترشح بعد راحة بمدة نيابية كاملة.
ونقترح ان يقع الترشح لمكاتب الاتحادات المحلية والفروع الجامعية ثلاث مرات بحيث تصير جملة المدة 9 سنوات . كما نقترح ان يقع الترشح لمكاتب النقابات الأساسية حسب الحالة بين 3 و5 مرات بحيث تصير جملة المدة اما 9 سنوات او 10 سنوات .
تثبيت المدة النقابية
أهم اجراء مرافق هو تثبيت المدة النيابية في المسؤولية النقابية ضمن القانون الأساسي والنظام الداخلي بنصوص غير قابلة للتغيير او التحوير أيا كان السبب وأيا كانت الظروف.
ولعله صار من الضروري بل من المتحتم اشهاد طرف محايد يضمن التطبيق السليم للنص ويمنع أي تغيير يمكن ان يلحقه. نفكر بهذا الصدد في المحكمة الدستورية ان وجدت – أو ما يعادلها – وان تعذر ففي المحكمة الإدارية وان تعذّر أيضا ففي هيئة المحامين أو القضاة وخبراء القانون ومن بعدهم في المجتمع المدني.
كذلك، وجب سد المنافذ أمام إمكانيات او اغراءات التلاعب بالمدد النيابية، بمعنى انه اذا حصل شغور في منصب الأمين العام على المستوى الوطني والكاتب العام الجهوي او القطاعي اثناء المدة النيابية، فان من يحل محله مجبر ومطالب بإكمال ما تبقى من نيابة سابقه والتي تحتسب له كما لو كانت مدة كاملة. وبهذه الصورة فان له الحق في الترشح، كأمين عام وكاتب عام جهوي او قطاعي، لمدة نيابية أخرى فقط.
على انه يمكن تجاوز هذا الاشكال في صورة انشاء موقع يسمى نائب الأمين العام – ونائب الكاتب العام – ومن مهامه ان يكمل نيابة الأمين العام او الكاتب العام اذا حصل شغور لاي سبب.
الأمين العام
نتصور انه حان الوقت، بعد 80 سنة، لتغيير طريقة انتخاب الأمين العام بمعنى ان يفتح الباب امام كثيرين للترشح لهذا المنصب المهم. فقد افضت الطريقة المتبعة الى حد الان على امتداد 80 سنة الى فوز 9 تسعة نقابيين فقط بالأمانة العامة (الشرعية) وهم فرحات حشاد – احمد بن صالح – أحمد تليلي – الحبيب عاشور (3 مناسبات) – الطيب البكوش – إسماعيل السحباني – عبد السلام جراد – حسين العباسي – نورالدين الطبوبي حتى الان.
تجدر الملاحظة هنا اننا لم نحتسب الأمناء العامين المنصّبين بدعم من السلطة وهم البشير بلاغة (الذي جيء به من منصبه واليا لتونس العاصمة الى الأمانة العامة للاتحاد يوم 31 جويلية 1965 في مؤتمر صوري انعقد في نفس اليوم الذي حكم خلاله بالسجن على الحبيب عاشور في قضية الباخرة) والتيجاني عبيد (الذي نصب امينا عاما للاتحاد شهرا واحدا بعد اضراب 26 جانفي 1978) وإسماعيل الآجري (الذي نصب أمينا عاما في افريل 1986 بعد سجن الحبيب عاشور والسطو على مقرات الاتحاد ومؤسساته ممن عرفوا آنذاك تحت تسمية “الشرفاء” وعبد العزيز بوراوي (الذي نُصّب امينا عاما في جانفي 1987 اثر توحيد الشرفاء ونقابيي الاتحاد الوطني الذين سبق لهم ان انشقوا عن الاتحاد العام في نوفمبر 1983).
كما لم نحتسب فترات الانتقال من وضعية الى أخرى وهي التي اشرف عليها كل من محمد كريّم (ديسمبر1952- جوان 1954) ونورالدين حشاد (أفريل 1980 – أفريل 1981) والحبيب طليبة (أفريل 1988 – أفريل 1989).
ارقام وتحاليل
ما سبق يكشف ان الفترات الزمنية التي مارس فيها الأمناء العامون مسؤولياتهم بصورة فعلية اقصر بكثير من العمر الحقيقي للمنظمة.وجب ان نطرح الفترة اللاحقة لاغتيال الزعيم فرحات حشاد والتي امتدت من ديسمبر 1952 الى جوان 1954 وقوامها 17 شهرا. كما وجب ان نطرح فترة تولي الوالي البشير بلاغة الأمانة العامة للاتحاد وهي فترة امتدت من 31 جويلية 1965 الى جانفي 1970 أي 4 سنوات و6 اشهر.
وجب أيضا طرح فترتي تولي نورالدين حشاد والحبيب طليبة رئاسة اللجنة النقابية الوطنية التي سهرت على تنظيم المؤتمرين الاستثنائيين اللاحقين لازمتي 1978 و1985 واللذين انعقدا بقفصة 1981 وسوسة 1989 وقوامهما معا – أي الفترتين – سنتين كاملتين. كما وجب أخيرا طرح الفترة الواقعة بينهما والتي امتدت من جانفي 1986 الى أفريل 1988 وقوامها سنتان و4 اشهر.
بذلك يصير مجموع الفترات المطروحة 10 سنوات و3 اشهر(تفصيلها: سنة و5 ش + 4 س و6 ش + س + س + 2س و4 ش). وبذلك أيضا تختصر مدة الممارسة الفعلية لمسؤولية الأمين العام لمن تحملها من بين الـ9 الذين ذكرنا في 69 سنة و9 اشهر او ان شئنا 70 سنة.
أطول فترة في هذه المدة هي التي شغلها إسماعيل السحباني بـ11 سنة و6 اشهر متواصلة يليه عبد السلام جراد بـ11 سنة و3 أشهر فالحبيب عاشور بـ7 سنوات و8 اشهر (من ماي 70 الى جانفي 78) ففرحات حشاد بـ6 سنوات و10 اشهر واحمد تليلي بـ5 سنوات و6 اشهر وحسين العباسي بـ5 سنوات فيما أمضى نورالدين الطبوبي 9 سنوات كاملة الى حد جانفي 2026 .
أما الطيب البكوش فقد امتدت فترة مدته امينا عاما لـ3 سنوات و7 اشهر اذ تواصلت من ماي 1981 الى ديسمبر 1984. وتقاسم الطيب البكوش الجزء الأكبر من مدته النيابية مع الحبيب عاشور الذي عاد للاتحاد في نوفمبر 1981 بعد رفع الاستثناء عنه وانتخب أمينا عاما في ديسمبر 1984 واستمر كذلك حتى جانفي 1986 رغم إيقافه قبل ذلك بأسابيع وتنظيم سطوة “الشرفاء ” على الاتحاد.
ونعود للحبيب عاشور مرة أخرى وتحديدا سنة 1963 حيث انتخب امينا عاما لأول مرة واستمر كذلك الى اخر جويلية 1965 تاريخ سجنه بسبب قضية الباخرة.وهناك من يحسب للحبيب عاشور كامل فترات تسييره المتقطعة للاتحاد فيجمعها في 14 سنة.
أما متوسط أو معدل فترة تولي مسؤولية الأمانة العامة – فعليا – فهو بحساب التسعة الذين ذكرنا 7 سنوات ونحو9 اشهر، أي تقريبا 8 سنوات، أي المدة التي اقترحناها في الطالع. أما لو اعتبرنا الحبيب عاشور 3 اشخاص فان المتوسط ينزل الى 6 سنوات و4 اشهر.
مقارنة
رغم ذلك، نعتبر ان تاريخ المنظمة وما عرفته من أزمات سلطتها عليها السلطة الحاكمة ظلم الكثيرين من النقابيين فحرمهم من حقهم في الارتقاء الى الأمانة العامة. وزادت بعض الأطراف النقابية فشرّعت لنفسها ما لا ترضاه لغيرها حيث انها لم تهتم بعدد الترشحات وتركتها مفتوحة حتى ان بعضهم ترشح 6 او 7 مرات لعضوية المكتب التنفيذي واكثر من مرتين للأمانة العامة فيما عمدت أخرى الى إطالة مدة المسؤولية بسنة إضافية.
ومن باب المقارنة، نستحضر أمامنا مثال الولايات المتحدة الامريكية التي تعتمد مدة رئاسية بـ4 سنوات فقط مع إمكانية وحيدة للإعادة. فقد عرفت منذ سنة 1946، تاريخ تأسيس الاتحاد، والى الان 14 رئيسا منهم 8 انتخبوا مرتين وهم ترومان (1945-53) ايزنهاور(1953-61) جونسون(1963-69) ريغن(1981-89) كلينتون (93-2001) بوش الابن(01-2009) أوباما (09-2017) ترامب على مرتين منفصلتين (17-21 و 25-29).
فلو كانت مدة الرئاسة الامريكية بـ5 سنوات، لكنّا في جانفي 2026 بمحضر باراك أوباما في مطلع السنة الثانية من ولايته الأولى فيما لم يصل بعد كل من ترمب (مرة أولى وثانية) وبايدن. ولو سارت الأمور في الاتحاد منذ 1946 على نحو ما جرى في الولايات المتحدة لكنا في جانفي 2026 بمحضر الأمين العام المنتخب بصورة عادية رقم 14.
كيف نصل الى هذا الرقم؟
قلنا في الطالع انه حان الوقت، بعد 80 سنة، لتغيير طريقة انتخاب الأمين العام بمعنى ان يفتح الباب امام كثيرين للترشح لهذا المنصب المهم. ان شخصا واحدا يمكن ان يفوز على شخص آخر او شخصين أو اكثر ولكنه معرض للهزيمة امام نفس الشخص الذي يتنافس معه في اطار قائمة. يستشف من هذا العرض، اننا نعترض على طريقة القائمات التي جرى بها العمل حتى الان.
عيب نظام القائمة انها مرتبطة بشخص، أعدّها حسب أهوائه ومصلحته ومدى الولاء له وفي الغالب اختار أعضاءها اما حسب عدد منخرطيهم او نضالاتهم في وقت محدد أو الجهة التي ينحدرون منها. فلا نكشف سرا عندما نشير الى ان مكاتب تنفيذية عديدة ضمت 5 الى 6 أعضاء من قطاع التعليم والى ان مكاتب تنفيذية أخرى ضمت 3 الى 4 أعضاء من جهة واحدة.
الحل البديل ان يقع انتخاب الامين العام والكاتب العام والاعضاء بطريقة الأقسام les collèges
نقترح في هذا الصدد الأقسام التالية:
الوظيفة العمومية/ القطاع العام/ القطاع الخاص/ المرآة/ الشباب/ المتقاعدون أي بحساب عضوين لكل قسم يضاف اليهم الامين العام الذي يتقدم كمرشح جامع وموحد للنقابيين من مختلف القطاعات والجهات وكصاحب برنامج للاربع سنوات وبذلك يصيرالمكتب مكونا من 13 عضوا كما كان منذ زمن بعيد.
وعدا العضوين ممثلي المتقاعدين والعضوين ممثلي الشباب، فإننا نقترح ان لا يزيد عمر البقية عند ترشحهم عن 52 سنة في اقصى الحالات. وكل هذه عناصر من شانها ان تدعم الرغبة في الترشح والعمل والانجاز من جهة وفي المحاسبة الانتخابية من جهة أخرى.
تبقى مسألة مهمة وهي التجديد حيث انه تفاديا لفراغ يمكن ان تحدثه مغادرة كامل المجموعة في نفس الوقت، وجب التنصيص على ان الـ6 أعضاء الاكبر سنا – على اساس واحد(ة) من كل قسم – هم الذين يغادرون او بعبارة اوضح لايترشحون لمدة نيابية ثانية.
