يّتجه الاتحاد العام التونسي للشغل إلى عقد مؤتمره الوطني العادي السادس والعشرين أيام 25 و26 و27 مارس ،2026 في محطة تبدو، بكل المقاييس، أكثر من مجرد استحقاق تنظيمي دوري. فالمؤتمر القادم ينعقد في سياق داخلي مشحون بالتجاذبات، وسياق وطني يّتسم بانسداد األفق االجتماعي والسياسي، ما يجعله لحظة مفصلية في إعادة تعريف موقع االتحاد ودوره وحدود اشتغاله في المرحلة القادمة.
المؤتمر كاختبار مؤسساتي:
أهمية المؤتمر لا تنبع فقط من كونه مناسبة لتجديد القيادة والهياكل، بل من كونه اختباًرا لقدرة المنظمة على إدارة اختالفاتها داخل األطر الشرعية، وتحويل الصراع من حالة إنهاك إلى لحظة فرز ديمقراطي صحي. فاالنقسام في موازين القوى بين المكتب التنفيذي والهيئة اإلدارية الوطنية، وما رافقه من جدل حول الخيارات النضالية وتوقيت المؤتمر نفسه، عكس حجم التوتر، لكنه عكس أيًضا حيوية داخلية تؤكد أن القرار ما يزال ُيدار داخل المؤسسات، ال خارجها. لقد مّر االتحاد بمحطات تاريخية كانت أشد خطورة من الظرف الراهن، ومع ذلك استطاع أن يعيد ترتيب صفوفه. من صدامه مع السلطة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلى محاولات االحتواء والتطويع، إلى التحوالت الكبرى التي أعقبت ،2011 ظّل الاتحاد يتأرجح بين الضغط والمقاومة، بين التوتر الداخلي والوحدة الضرورية. وفي كل مرة كان ُيطرح السؤال نفسه: هل يستطيع الصمود كمنظمة مستقلة أم يتحول إلى جهاز ُمدَّجن أو ُمفَّكك؟ وكانت اإلجابة دائًما ُتصاغ عبر المؤتمرات والاحتكام إلى الهياكل.
بين النقائص والوظيفة التاريخية:
لا يمكن إنكار أن االتحاد يعيش اليوم أزمة ثقة، وأن أداء بعض قياداته تعّرض الانتقادات وتعقيدات الواقع االقتصادي. غير أن هذه النقائص، مهما بلغت، ال تلغي الوظيفة التاريخية للاتحاد كقوة توازن اجتماعي. ففي ظل أزمات اقتصادية خانقة، وتنامي خطاب ”مرونة الشغل“ و“ترشيد النفقات“، ا لتفادي انزالق البالد نحو تفكيك منظومة الحماية يصبح وجود قوة نقابية منظمة شر ًط االجتماعية. إن إضعاف الاتحاد، أو التعامل مع أزمته بشماتة أو رغبة في تصفيته، ال ا وميزان قوى يفضي إلى ”استقرار“، بل إلى فراغ تفاوضي قد تملؤه قوانين أكثر إجحاًف أكثر اختالاًلا.
درس االقتطاع المباشر حين ُيختبر العمود الفقري:
من أبرز المتعرجات التي عاشها الاتحاد مسألة االقتطاع المباشر لالشتراكات من الأجور. فقد كان هذا النظام لعقود أحد األعمدة المالية التي تضمن استقاللية المنظمة واستقرار مواردها. وعندما ُطرح إلغاؤه أو تعليقه في سياقات توتر سياسي، لم يكن األمر مجرد إجراء إداري وسياسي، بل مساًسا مباشًرا بقدرة االتحاد على االستمرار كمؤسسة قائمة بذاتها.
تلك اللحظة كشفت هشاشة التوازنات، لكنها كشفت أيًضا أن االتحاد، رغم الضغوط، قادر على إعادة تنظيم صفوفه، والبحث عن بدائل، والحفاظ على حد أدنى من التماسك المالي والتنظيمي. لقد كانت أزمة حقيقية، لكنها تحّولت إلى درس في ضرورة تنويع الموارد وتعزيز االرتباط المباشر بالمنخرطين، بدل االتكال الكامل على آلية تقنية. هذا المثال يذّكر بأن قوة االتحاد لم تكن يوًما في االمتيازات الشكلية، بل في عمقه االجتماعي وفي قدرته على تحويل الضربات إلى فرص مراجعة.
من 2011 إلى اليوم: بين الدور الوطني والتجاذب الطبقي
بعد ،2011 وجد االتحاد نفسه في قلب معادلة سياسية معقدة. فهو من جهة قوة اجتماعية بت تدافع عن الشغالين، ومن جهة أخرى فاعل وطني شارك في محطات حوار حاسمة جّن البالد منزلقات خطيرة. غير أن هذا الحضور الوطني حمل معه تحديات: كيف يحافظ على استقالليته الطبقية دون أن يذوب في تحالفات سياسية؟ وكيف يوازن بين دوره ا اجتماعًيا منحاًزا لمصالح الفئات الشعبية؟ كوسيط وطني وبين كونه طرًف قة. الصراعات الداخلية التي نشهدها اليوم هي، في جزء منها، انعكاس لهذه األسئلة المعّل فهي ليست مجرد تنافس على مواقع، بل تعبير عن تباين في تقدير المرحلة: بين من يقّدم أولوية االستقرار المؤسسي وتقليص الخسائر، وبين من يدفع نحو سقوف نضالية أعلى، وبين من يدعو إلى إعادة بناء أفق سياسي واجتماعي أوسع يتجاوز اإلطار النقابي الضيق.
المؤتمر كفرصة تجديد ال كساحة تصفية
من هنا، يمكن النظر إلى مؤتمر مارس 2026 كفرصة لتجديد الشرعية وإعادة رسم الخيارات. فبدل أن يكون ساحة لتصفية الحسابات، يمكن أن يتحول إلى محطة لتوضيح الرؤية: ما هو نموذج العمل النقابي المطلوب؟ ما حدود العالقة مع السلطة؟ ما طبيعة التحالفات الممكنة دون التفريط في االستقاللية؟ كيف تتجذر الديمقراطية الداخلية وتحمى من كل انحرافات؟وكيف ُيعاد ربط المنظمة بقواعدها، خاصة في ظل تحوالت سوق الشغل وتنامي العمل الهش؟
التفاؤل هنا ال يعني التقليل من عمق األزمة، والإنكار أن بعض الجراح ما تزال مفتوحة. قائًما، ألن قاعدته االجتماعية أوسع من أزماته الظرفية.
أفق ممكن
في السياق التونسي الراهن، حيث تتراجع الثقة في الوسائط التقليدية ويعلو منسوب القلق االجتماعي، يحتاج المشهد إلى منظمة نقابية قوية، ومستقلة، وقادرة على التفاوض كما على التعبئة عند الضرورة. والمؤتمر القادم يمكن أن يكون لحظة استعادة للثقة، شرط أن ُيدار بروح المسؤولية، وأن ُيقّر بالنقائص بجرأة، وأن يفتح الباب أمام تجديد حقيقي في الخطاب والممارسة. إنها لحظة مفصلية بالفعل: إما أن تتحول األزمة إلى منطلق إصالحي يعيد الحيوية إلى الهياكل ويعزز انحيازها الصريح لمصالح الشغالين، وإما أن ُتستنزف في صراعات جانبية. غير أن التاريخ القريب والبعيد لالتحاد يبعث على قدر من الأمل؛ فهذه المنظمة التي تجاوزت محطات أصعب، قادرة – إذا توفرت اإلرادة – على تحويل مؤتمرها السادس والعشرين إلى بوابة عبور نحو مرحلة أكثر وضوًحا ونضًجا وصالبة. وبين الواقعية في تشخيص األعطاب، واإليمان بقدرة الفعل الجماعي على التصحيح، يبقى الرهان معقوًدا على أن يكون مارس 2026 محطة استعادة للمبادرة، ال محطة انكفاء.
فاهم بوكدوس المدير التنفيذي لنقابة الصحفيين
