20.3 C
تونس
19 مارس، 2026 20:29
جريدة الشعب نيوز
آراء حرةوطني

من المبادرة إلى المواجهة: المسار الذي قاد قادة “أسطول الصمود” إلى الاعتقال

بقلم النائب في البرلمان محمد علي – لم يبدأ ما حدث مع قادة مبادرة “أسطول الصمود” في لحظة الاعتقال، ولا في لحظة فتح الملف القضائي. ما جرى هو نتيجة مسار أطول، مسار يمكن قراءته سياسياً عبر سلسلة مراحل متتالية بدأت بفكرة تضامن وانتهت بمواجهة مع أجهزة الدولة.

ان قراءة هذا المسار زمنياً تسمح بفهم أعمق لما حدث، لأنها تكشف أن القضية لم تكن مجرد حادثة قانونية، بل حلقة ضمن طريقة أوسع في التعامل مع المبادرات المستقلة داخل المجال العام.

في البداية ظهرت المبادرة في سياق تعبئة شعبية واسعة حول القضية الفلسطينية. كانت لحظة كثيفة بالعاطفة السياسية والرمزية، لحظة حاول فيها جزء من المجتمع أن يتجاوز التعبير التضامني التقليدي نحو شكل أكثر تنظيماً للفعل المتناسب مع حرب الابادة والتدمير والقتل التي يشنها الكيان على فلسطين وغزة خاصة بعد السابع من اكتوبر.

في هذا السياق ولدت فكرة “أسطول الصمود”. لم تكن مبادرة صادرة عن مؤسسة رسمية أو إطار حزبي كلاسيكي، بل جاءت من شبكة نشطاء تجمعهم تجارب نضالية سابقة وروابط تضامن تشكلت عبر سنوات من العمل المدني والسياسي.

ان الطبيعة المستقلة للمبادرة هي ما منحها في البداية حيويتها. فقد بدت كأنها محاولة لتحويل التعاطف الشعبي مع فلسطين إلى فعل ملموس، وإعادة إدخال القضية إلى الفضاء العام بوصفها قضية تعبئة وتنظيم، لا مجرد خطاب سياسي أو شعارات.

في تلك المرحلة الأولى لم يظهر أي رد فعل حاد تجاهها. سُمح لها بالتحرك ضمن هامش معين، وهو أمر يحدث غالباً مع المبادرات الجديدة التي لا يزال تأثيرها غير واضح.

لكن هذا الهامش لم يكن فراغاً كاملاً. كان في الوقت نفسه فضاء مراقبة. فالمبادرات التي تنشأ خارج الإطار الرسمي تُتابَع عادة بحذر لمعرفة قدرتها على الاستمرار وحجم التأثير الذي يمكن أن تخلقه. تراهن السلطة في كثير من الأحيان على أن مثل هذه المبادرات ستفقد زخمها بسرعة، وأن الحماسة الأولى ستنطفئ مع الوقت.

غير أن ما حدث مع “أسطول الصمود” سار في اتجاه مختلف، فمع مرور الوقت بدأت المبادرة تتحول تدريجياً من فكرة رمزية إلى فعل منظم، صار لها خطاب واضح، ووجوه معروفة تقودها، وشبكات تضامن تتوسع حولها. عند هذه النقطة تغيرت طبيعة النظر إليها. لم تعد مجرد تعبير عابر عن التضامن، بل أصبحت نموذجاً محتملاً لفعل مستقل يمكن أن يتكرر.

ضمن هذا المسار برزت أيضاً لحظة مفصلية في التجربة الشخصية لبعض قادة المبادرة: المواجهة المباشرة مع آلة القمع الصهيونية خلال أنشطة التضامن مع فلسطين. فقد وجد بعضهم أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الأجهزة الأمنية للاحتلال ومع رموز الهمجية مثل بن غفير. هذه المواجهات لم تكن مجرد حوادث عابرة، بل شكلت جزءا من المسار النضالي لهؤلاء النشطاء، ورسخت صورتهم كفاعلين سياسيين يتحركون في فضاءات تضامن عابرة للحدود.

ان وجود هذه الخلفية كان له أثر مهم في السياق اللاحق، فهؤلاء لم يكونوا وجوهاً جديدة في لحظة التضامن مع فلسطين، بل امتداداً لمسار من المواجهة المباشرة مع سياسات الاحتلال. وهذا ما أعطى مبادرتهم وزناً رمزياً إضافياً، لأنه ربط بين الفعل التضامني داخل البلاد وتجارب مواجهة سابقة مع بنية القمع الصهيونية خارج البلاد.

في هذه المرحلة بالتحديد برز دور الفضاء الرقمي. فقد بدأت على الشبكات الاجتماعية موجة من الأسئلة والتعليقات التي تستهدف قادة المبادرة. في البداية جاءت هذه المداخلات في صيغة تساؤلات تبدو بريئة: من يقف وراء المبادرة؟ من يمولها؟ وما طبيعة علاقات القائمين عليها؟ مثل هذه الأسئلة لا تبدو في ظاهرها هجوماً مباشراً، لكنها تفتح باب الشك حول المبادرة وأشخاصها.

ومع اتساع النقاش تحولت هذه التساؤلات تدريجياً إلى سرديات أكثر حدّة. لم يعد الأمر مجرد طرح أسئلة، بل أصبح خطاباً يتهم القائمين على المبادرة بالسعي إلى مكاسب شخصية أو بالتورط في علاقات مشبوهة. هكذا تحولت الشبكات الاجتماعية إلى ساحة أولى لإضعاف المبادرة عبر التشكيك في مصداقية قياداتها. وفي مرحلة لاحقة لم يقتصر الخطاب على التشكيك، بل اتجه الى التحريض المباشر عليهم، عبر تصويرهم كمصدر خطر أو كجهة تستغل القضية الفلسطينية لأهداف أخرى .

هذا التحول مهم لأنه يعيد تشكيل موقع المبادرة داخل المجتمع، فحين يصبح الفاعلون أنفسهم موضوع شبهة أو جدل، يتراجع النقاش حول الفكرة الأساسية التي يحملونها.
وهكذا تتحول المبادرة من مشروع تضامن إلى ملف قابل للتشكيك.

بعد هذه المرحلة غالباً ما يأتي التحول الأكثر حسماً: تفعيل المسار القضائي. عند هذه النقطة ينتقل الفاعلون من موقع النشاط السياسي أو المدني إلى موقع المتهمين داخل ملف قانوني. هنا يتغير الإطار الذي تُقرأ فيه القضية بالكامل، حيث لم تعد مبادرة أو موقفاً سياسياً، بل صارت قضية تخضع للإجراءات والتحقيقات.

ان هذه الآلية تمنح السلطة أداة فعالة لإيقاف مسار المبادرة دون الحاجة إلى إعلان مواجهة سياسية صريحة معها، فالمسار القضائي بطبيعته طويل ومعقد، وهو قادر على تجميد المبادرات وإرباك شبكاتها الاجتماعية والتنظيمية.

لكن ما يضفي بعداً خاصاً على هذه القضية هو المسار الشخصي لعدد من قادة المبادرة. فبعضهم سبق أن ارتبط بأنشطة تضامن مع القضية الفلسطينية خارج البلاد، وبعضهم واجه سابقاً إجراءات قمعية في سياقات مرتبطة بنفس النشاط. هذا المعطى يخلق مفارقة ثقيلة: نشطاء بنوا جزء من مسارهم السياسي حول التضامن مع فلسطين يجدون أنفسهم مرة أخرى في موقع الاتهام، ولكن هذه المرة داخل سياقهم المحلي.

لا يعني ذلك أن السياقات السياسية متشابهة، لكنها تكشف عن تقاطع في النتيجة. ففي الحالتين يعاد تعريف الفعل التضامني بطريقة تفرغه من معناه السياسي والنضالي ، ويصبح من السهل تقديمه بوصفه تهديداً أو مخالفة بدل كونه مبادرة مدنية.

ان قراءة هذا المسار بالكامل توضح أن الاعتقال لم يكن لحظة مفاجئة، بل نهاية سلسلة من التحولات في طريقة التعامل مع المبادرة: من التسامح الحذر إلى المراقبة، إلى حملات التشكيك والتحريض الرقمية، وصولاً إلى المسار القضائي. وهو مسار يعكس توتراً أوسع بين منطقين مختلفين داخل المجال السياسي: منطق المبادرة المجتمعية التي تحاول فتح فضاءات جديدة للفعل، ومنطق السلطة التي تسعى إلى إبقاء المجال العام تحت سيطرة مؤسساتها وقنواتها المعروفة.

ومع ذلك، فإن مثل هذه التجارب لا تنتهي دائماً عند لحظة القمع. فالمبادرات التي تولد من حاجة اجتماعية حقيقية نادراً ما تختفي تماماً. قد تتوقف وقد تتفكك وقد يعاد تشكيلها في أشكال مختلفة، لكن الفكرة التي أنتجتها تبقى حاضرة.

لهذا، فإن قصة “أسطول الصمود” لا تختزل فقط في مسار الاعتقالات أو الملفات القضائية، انها أيضاً قصة محاولة لفتح مساحة للفعل الجماعي حول قضية جامعة، ومحاولة لإعادة ربط التضامن الخارجي بالفضاء السياسي الداخلي.

ربما تتوقف هذه المحاولة عند هذه المرحلة، وربما تعود في لحظة أخرى بشكل مختلف، لكن ما أظهرته بوضوح هو أن داخل المجتمع دائماً طاقة كامنة للبحث عن طرق جديدة للفعل والتعبير. وهذه الطاقة، مهما تعرضت للضغط أو الإغلاق، تظل قادرة على الظهور من جديد عندما تتوفر لها اللحظة المناسبة.

مقالات مشابهة

بطاقة إيداع جديدة ضد المحامية سنية الدهماني

admin

إنطلاق استغلال بطاح “أجيم” بجربة في انتظار 3 أخرى يجري تجديدها

admin

سلع الصين وتركيا : تفاقم العجز التجاري التونسي

admin