بقلم الاستاذ محمد المناعي – في لحظة يتعرض فيها العمل النقابي في تونس إلى ضغوط غير مسبوقة، لا تبدو معركة الدفاع عن المنظمة مجرد صراع على الهياكل أو التمثيلية، بقدر ما هي معركة يومية تُخاض في مواقع العمل، داخل المؤسسات، وعلى تماس مباشر مع الأجراء. هنا تحديدًا تبرز نقابات القرب، لا كهيكل تنظيمي فحسب، بل كخط الدفاع الأول عن الحق النقابي.
كشفت الأزمة الأخيرة التي يمرّ بها العمل النقابي في تونس عن الأهمية القصوى لنقابات القرب، باعتبارها الجذور الضاربة للمنظمة في النسيج الاقتصادي والاجتماعي، والهيكل النقابي الأقرب إلى الأجراء في مكان عملهم وفي منطقة إقامتهم. نعني هنا النقابات الأساسية والاتحادات المحلية، باعتبارها حجر الأساس في العمل النقابي القاعدي وصمام الأمان لاستمرار الفعل النقابي كعمل يومي ميداني مباشر.
تمثل نقابات القرب صورةً مصغّرة عن المنظمة العمالية وعن العمل النقابي عمومًا. ويعكس أداء الممثلين النقابيين الأساسيين والمحليين، ومدى التصاقهم بمشاغل زملائهم، ومدى الثقة التي يكتسبونها في محيط عملهم وبين منظوريهم، تصوّرَ الشغالين للنقابة عمومًا، وتتحدد بالتالي درجة التفافهم حولها واستنادهم إليها في حل مشاكلهم وتبليغ أصواتهم.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى نقابات القرب باعتبارها امتدادًا لمقاربات حديثة في الفعل الاجتماعي تقوم على منطق «القرب»، على غرار ما يُطرح في مجالات أخرى مثل صحافة القرب أو مواطنة القرب، حيث تتأسس الفاعلية على الحضور اليومي والقدرة على التفاعل المباشر مع انتظارات الأفراد داخل محيطهم المباشر.
وتكمن أهمية نقابات القرب في مشاركتها اللصيقة للعاملات والعمال، فالممثل النقابي الأساسي شريك في الهموم وزميل في العمل، معايش لظروف الشغل، عارف بأوضاع مؤسسته، وبالوضع الاقتصادي والاجتماعي لزملائه. وتعمل هذه النقابات، انطلاقًا من مكانتها هذه، على ضمان التواصل المستمر مع منظوريها، والتوعية والتحسيس بحقوقهم، ذلك أن غياب المعلومة المحيّنة والوعي بهذه الحقوق يعرّض العامل لشتى أنواع الانتهاك والتنازل غير الواعي عن مكاسبه وحقوقه.
وفي هذا الإطار، تلعب نقابات القرب دورًا مضاعفًا؛ فهي الوسيط الأساسي بين الأجراء وسلطات القرار المحلية والجهوية والقطاعية داخل منظمتهم، وعبرها يمكن للعامل والموظف تبليغ صوته والمشاركة في صناعة هذا القرار، وهي أيضًا الطرف المفاوض داخل المؤسسة نيابة عن منظوريها.
وهو ما يكتسي أهمية خاصة في الظرف الحالي الذي يشهد تضييقًا على العمل النقابي ومحاولات لإضعاف حضوره داخل المؤسسات.
فنقابات القرب هي كذلك جزء من حياة المؤسسة، وعلى خلاف الصور النمطية، فإن النقابي أحرص الناس على نجاح مؤسسته وازدهارها واستقرارها، عمومية كانت أو خاصة، باعتبار هذا النجاح هو أولًا وأخيرًا ثمرة جهد الأجراء، كما أنه يعود بالفائدة على ظروف عملهم ووضعهم المادي. لذلك فإن دوره يقوم على إدارة التوازن الدقيق بين الحوار والضغط، بما يحفظ حقوق العمال ويضمن استقرار المؤسسة. فوجود نقابة قوية داخل المؤسسة، مدرسة كانت أو مصنعًا، ليس عبئًا بل نقطة قوة لها، وعنصر توازن يمنع الأزمات قبل انفجارها.
إلى جانب النقابات الأساسية، تمثل الاتحادات المحلية، كهيكل لصيق بمشاغل المنطقة التي تمثلها، حلقة وصل بين مختلف القطاعات، وشكلًا من أشكال التشبيك الضروري والعمل المشترك، بما يتجاوز خدمة الأجراء داخل المؤسسة الواحدة إلى خدمة المنطقة ككل. كما أن المحافظة على ديمومة المؤسسات ضمن مجال إشراف الاتحاد المحلي هي محافظة على قوت العمال واستقرارهم المادي والاجتماعي، وتفتح المجال لطاقات تشغيلية تفيد سكان المنطقة وتوفر مواطن شغل لشبابها.
فهذه الهيكلة الأساسية تمثل حجر أساس للتضامن النقابي بين مختلف القطاعات، وهي الصورة المصغّرة للمنظمة النقابية في المحيط المحلي.
لا شك أن جوهر العمل النقابي، منذ بداياته، إنساني بالأساس، وقد نشأ كضرورة أمام معاناة الشغالين في مكان العمل وفي حياتهم اليومية، لذلك حافظ منذ تأسيسه على الطابع التكافلي والتضامني. فنقابات القرب، من نقابات أساسية واتحادات محلية، هي الحلقة الأقرب لمشاغل الأجراء، تشاركهم أفراحهم وتساندهم في أزماتهم وأتراحهم. ولها دور تضامني يجب أن تستعيده بجدارة في الوقوف ماديًا ومعنويًا إلى جانب العمال ضحايا الطرد التعسفي والبطالة التقنية وحوادث الشغل، وإلى جانب أسرهم وأطفالهم. فنقابات القرب إطار لتيسير التضامن بين العمال وتمتين الروابط الإنسانية فيما بينهم.
إن نقابات القرب في الاتحاد العام التونسي للشغل، وهي في الصفوف الأمامية تخوض اليوم معركة الدفاع عن الحق النقابي وحق الوجود داخل المؤسسات، وتجد نفسها الملاذ الوحيد للأجراء ضحايا ظروف العمل وانتهاكات الحقوق، لهي ركيزة كل بناء نقابي على أسس متينة.
لذلك فإن أي إصلاح جدي للعمل النقابي لا يمكن أن ينطلق من أعلى، بل من هذه القاعدة الصلبة التي تمثلها نقابات القرب، باعتبارها المجال الحقيقي الذي تُبنى فيه الثقة، وتُصاغ فيه الموازين الفعلية للقوة داخل المجتمع.
