15.8 C
تونس
30 مارس، 2026 14:10
جريدة الشعب نيوز
ثقافي

في كل منا بطل لا يموت …قصيدة ” وحدك في الحصار” للشاعر هشام الورتتاني

الشعب نيوز / تونس –   ليس هذا القصيد مجرد استعادة لأسطورة عابرة ، بل هو السفير الأخير لذاك الطفل القابع في أعمق نقطة في الروح، ذاك الذي لم تكسره صرخة أيوب في ذروة بلوزه ولا غياب أنكيدو عن ملحمة الخلود بل ظل حيا يقتات على وجع الحقيقة ، إنه البطل الذي يلملم شتات الأرض ويمسح عن وجهها غبار الانكسار، ذاك الحر الأبدي الذي تأبى القضبان أن تقيد خياله وتطوق أحلامه ليمضي واثقا لاسترداد ضياء الفجر المسلوب….

وحدك في الحصار… 
ترَكوكَ وحدكَ
مثلما تركوا المسيح وغادروا،
لا طيف يعبر في الجوار ولا جوار….
صمتٌ يُخيِّم في المدى
وصَدًى يئنُّ ويستغيث
وأنت تمضي في الصّقيع وتقْتفي
أثر الدّموع اليابسات على الثّرى،
تركوك وحدكَ
تسكُبُ الأيّام يوما بعد يوم
عند ناصية الغياب،
يدٌ تشدُّ على يد
وخُطى تسير على الجمار…
حُرّ رماك الدّهرُ في درب
ملاه الرّيح والطّوفان والإعصارار،
حُرّ عندما قطعوا الوريدَ
وعندما نزف الشّهيدَ
وعندما اشتدّ الحصار…
حُرٌّ وحُرّ
كالقصيدة زاهد في رحلة المعنى البعيد،
تشُقّ دَربَك كالشّريد
مِنَ الصّعيد إلى الصّعيد
وترتوي من نبع أيّوب النبيّ
وصرخة الألم البعيدة
والوحيدة في القفار…
حُرّ وتنحتُ موطنا
في الصّخر مِنْ وجع السّنين،
وتمتطي ريح الأماني
سالكا درب الحنين
مِن الغياهب والمنافي والأنين
إلى العشيرة والقبيلة والدّيار…
حرّ ووحدك في الحصار…
يا ساكنا في القلب قل لي من تكون؟
أعاشقٌ للأرض من زمن بعيد؟
وجئت تثأرُ يا عنيد
وفي يديك وصيّتين من الشّهيد إلى الوليد
بلا رجوع، بلا انكسار…
أم نجمةٌ تَهَبُ البريق إلى الكواكب
خَيَّرَتْ جسدي العليلَ مدارها؟
أم كوكب غمر الجليدُ ربوعَهُ
فاخْتار صدري موطنا
واختارني دربا ودار…؟
يا عاشقا درب العبورْ…
إنّي رأيتك هائما بين السّطور
ولا دليل يُضيء دَرْبَكَ
غيْرَ قافيةَ المعاني
كلّما اكتمل القصيد
وأعلن الشّعر انتصار…
ورأيت طيفك في المنام
يعيدُ ترميمَ السّماء
ويسْتجيرُ بِغيْمةٍ
عَزَفتْ نشيدَ رحيلها،
وحمامة بيضاءَ
ألْهَمَها التَّصوُّفُ في المساجد والكنائس
فاعتلت أمّ القباب
ورفرفت بجناحها فوق المقام
وأعلنته منارة ومزار…
عيناك مهدُ طفولةٍ عذراء
تنتظر انتحار الليل
قرب مقابر الذّكرى
وتنتظر انبعاث الفجر من صلب
الحوامل والوجيعة والسّنين
ومن دمٍ شرِبَ الهوى مِنْ نبْعِهِ
وَتَوَهَّجَتْ حَتّى البِحار…
الحقُّ دربٌ منْ دروبِكَ،
والمدى في مقلتيك تقلّصت أطرافُهُ
 والعشق نبع في ضُلوعِك
 َفَجَّرَتْهُ جريحَةٌ ثَكْلى
بِلا أملٍ سَقَتْ من جُرحه
طفللا نَمَتْ في صدره أحلى الزّنابق
وانْحَنَتْ لَوْ مَرّ في الدّرب الجليل
صدًى يُنادي نُطفَةً في الصُّلبِ تَنْتَظِرُ العُبور
 َلِتَقْتَفي أثرَ الفراشة في انْبهار…
في بحر عينيك العميق
قصيدة نثريّة
عن فقد أنكيدو الصّديق
 وعن تباعُدِ نجْمتيْن
وعن تفتُّق غيمتين شريدتين
وعن توسُّل طفلتين صغيرتي
 إلى براعم وردةٍ منفيّةٍ بين الصّخور
 وصرخةٍ مهجورةٍ بين الصّدور
ودمعةٍ حَنّتْ لِسُكّان القُبور
 وعن لِقاء في السّماء
وعن عِناق بعْد شوْق واشْتياق وانْتظار…
قد كنت طفلا تنتشي
لو راوغتك صبيّة بدلالها
 أو عطّرتك بطيبها
 وظننت أنّك مغرم
وسألت نجمتك الصّديقة
 عن تباريح الهوى
وظلَلْت تنْتظِرُ النّهار…
 وكَبُرْتَ من وَجَعِ الطّريق
 كَبُرْتَ يا ولدي الغريق
 وصرت تُشبِهُ شُعْلَةًٍ من ألف نار..
تمضي مع الوجع القديم
تحدّث الغيم الندي
ّ عَنِ الخليلة والخليل
وتنحني لو صادفتك صبيّة
تسقي الطّريق بدمعة
من جرحها وتقول لاا
يا ابني الجريح…
(دمي يسيل أنا الجريح)
فتًى يحنّ إلى الضّريح
فتى يئنّ ويستريح :
(أنا الجريح…أنا الجريح
وهبت عمري لا خيار
ومن دمي وقد المنار…
فخذوا من الوجع المقيم بأضلعي
نبأ الصّعود إلى السّحاب،
ونشوة الرّوح المسافر والغياب،
خذوا الهويّة والوصيّة
من دم الطّين المقدّس والغبار…)
قد كنت طفلاا
عندما عبروا على جسدي وداسوا
ثمّ داسوا ثمّ داسوا
فتّحوا الجرح القديم وصادروا أحلامنا،
آمالنا، أيّامنا، أوطاننا
ودروبنا وشموعنا
وسمائنا وبريقنا…
أخذوا الكلام من الكلام
وأعدموا حتّى الصّدى
أخذوا النّدى أخذوا البذار
وأشعلوا في الدّرب نار…
قد كنت طفلا عندماا انكسر الجنوب
وأسكتوا نبض القلوب
وعندما قطعوا الدّروب
من الجنوب إلى الجنوب
وعندما سقط الجدار…
ضمّدت جرحا خِلْتَهُ الجُرحَ الأخير
وَمَضَتْ خُطاك إلى المصيرْ
والطّير يهتف يا فتى
والله أضناك المسيرْ،
وظللت وحدك هائما
في عتمة الزّمن الغريبْ
والدّرب لو تدري بعيدْ
يا ساكنا في القلب أدميت الوريد،
دم وعيد…دم وعيد
وصدى ينادي في انكسار…
أين الأحبّة والدّيار…؟
وصدى يرُدُّ على الصّدى
سيجيء يوم يا فتى
وترى الحمائم ساجدات
والسّنا في مُقلتيك كما النّهار…
وترى الخُطى فوق الثّرى
وصدًى بلاه الإنتظار…
من كلّ صوب ينجلي
ويقول لا،
لا لن نخون وننحني
أبدا، وأقسم لا خيار…
وصدًى يُرَدِّدُ واثقا
سيجيء يوم ينحني فيه الحصار
وتُرْفَعُ الرّايات أعلى
ثمّ أعلى ثمّ أعلى
ثمّ عيد وانتصار…
ويد تلوّح في المدى
سقط الحصار…
سقط الحصار…

مقالات مشابهة

الشاعر آدم فتحي عن اليوم العالمي للشعر : الشعراء يزرعون الألغام في لغات العالم

Kadhem ben ammar

تأجيل مهرجاني قرطاج والحمّامات الدّوليّين إلى اجل غير مسمى

admin

أمام شبابيك مغلقة : الفنان ” بودشارت ” يقود فرقة و جمهورها يغني

admin