جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

ميناء رادس (رصيف السوائب الصلبة): عندما يتحوّل طلب العروض إلى أداة إقصاء للمستغلّ التاريخي

بقلم عصام بن عمر – في الوقت الذي يُفترض أن تكرّس فيه الصفقات العمومية مبدأ المنافسة وتكافؤ الفرص، يطرح ملف رصيف السوائب الصلبة بـميناء رادس تساؤلًا جوهريًا: هل تحوّلت الإجراءات المعتمدة إلى وسيلة لإعادة ترتيب المشهد على حساب المستغلّ التاريخي؟
أطلق ديوان البحرية التجارية والموانئ طلب العروض عدد C3/2026 لإسناد لزمة استغلال الفضاء المحاذي للرصيف الصناعي .

غير أن القراءة المتأنية لهذا المسار تكشف عن اختيارات تحمل في طيّاتها مخاطر حقيقية على توازن المنظومة المينائية، وعلى موقع الفاعل العمومي داخلها.
فالفضاء موضوع اللزمة ليس نشاطًا مستحدثًا، بل هو امتداد مباشر لنشاط مينائي ظلّ لعقود تحت استغلال الشركة التونسية للشحن والترصيف إلى غاية سنة 2019، قبل أن يخضع إلى إعادة تهيئة باستثمارات عمومية متواصلة إلى حدود سنة 2025. وهو ما يجعله جزءًا لا يتجزأ من المرفق العمومي، تم تثمينه بمال المجموعة الوطنية، وليس مجرّد فرصة استثمارية عابرة.

وبالرجوع إلى ما ورد ضمن النظام الخاص بالتأهيل المسبق، نلاحظ أن الترشح فُتح “لكل شخص معنوي أو في إطار مجمع شركات”. ورغم ما يبدو في هذا التوجه من انفتاح، فإنه يخفي في جوهره اختلالًا واضحًا في موازين التقييم، إذ يمنح أفضلية فعلية للمترشحين المتقدمين في شكل تحالفات، لما يوفّرونه من تجميع للقدرات المالية وتعدد للخبرات.
في المقابل، تجد المؤسسة العمومية نفسها، إذا تقدمت بمفردها، في وضعية تنافسية غير متكافئة، لا تعكس لا خبرتها التاريخية ولا تموقعها الفعلي داخل المنظومة المينائية. وهو ما يضع الشركة التونسية للشحن والترصيف أمام خيار إجباري: إما الدخول في تحالفات مفروضة لا تنسجم مع طبيعة دورها، أو القبول ضمنيًا بإمكانية الإقصاء ضمن منظومة تقييم لا تراعي خصوصيتها.
وبذلك، يتحوّل مبدأ المنافسة من أداة لضمان تكافؤ الفرص، إلى آلية غير مباشرة لإعادة ترتيب الفاعلين داخل القطاع، على حساب المستغلّ التاريخي.
من الناحية القانونية، يطرح هذا التوجه إشكالًا يتجاوز الإجراءات إلى فلسفة التصرف في المرفق العمومي.

فالأمر عدد 1039 لسنة 2014 المتعلق بتنظيم الصفقات العمومية، لا يكرّس فقط مبدأ المنافسة، بل يقرّ أيضًا باستثناءات تتيح اعتماد آليات بديلة، من بينها التفاوض المباشر، خاصة عند توفر مصلحة عامة واضحة ووجود مؤسسة عمومية مختصة وقادرة على ضمان استمرارية المرفق.

وفي الحالة الراهنة، تتوفر كل هذه الشروط بوضوح: مؤسسة عمومية ذات خبرة، استغلال سابق لنفس الفضاء، واستثمارات عمومية منجزة، فضلًا عن ارتباط مباشر بنشاط حيوي داخل الميناء. ورغم ذلك، تم تجاوز هذا الخيار، بما يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى هذا المسار ونتائجه.

إن الدفع بالمؤسسة العمومية إلى موقع تنافسي غير متكافئ، أو فرض خيارات تنظيمية في طلب العروض C3/2026 تُضعف تموقعها، يتعارض مع روح السياسات العمومية وتوجهات السلطة التنفيذية الرامية إلى دعم المؤسسات والمنشآت العمومية وإعادة هيكلتها، بما يمكّنها من استعادة دورها الاقتصادي والاجتماعي.

فالخيار المتبع في هذا الملف يطرح تساؤلات حول الانسجام بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية، ويجعل ضرورة إعادة النظر فيه مطلبًا ملحًا لضمان استمرارية المرفق العمومي وحماية المال العام.

إن ميناء رادس، وخاصة رصيف السوائب الصلبة، ليس مجرد فضاء للاستثمار، بل هو ركيزة من ركائز الاقتصاد الوطني، وأحد تجليات دور الدولة الاجتماعية، التي لا يمكن أن تقوم إلا على مؤسسات عمومية قوية، فعّالة، ومندمجة في رؤية إصلاحية حقيقية.

مقالات مشابهة

البعض يذهب للديمقراطية مرتين

admin

عبد الرحمان اللاحقة : إجراءات ترامب تؤسس الى سياسة تصنيعية أمريكية وتأثيراتها المحتملة على تونس سلبية

admin

الثورة التونسية المؤجلة

admin