بقلم الفاهم بوكدوس – يشكّل إضراب قطاع التعليم الثانوي المنفّذ يوم الثلاثاء 7 أفريل 2026 الجاري محطة نضالية جديدة تُضاف إلى تاريخ طويل من التحركات التي خاضها هذا القطاع دفاعًا عن كرامة منظوريه وعن المدرسة العمومية باعتبارها ركيزة أساسية للعدالة الاجتماعية.
وقد أكد نجاح هذا الإضراب مرة أخرى على وعي القاعدة الأستاذية بوحدة مصيرها، وإدراكها العميق لطبيعة المرحلة وما تقتضيه من صمود وتنظيم.
إن المطالب المرفوعة في هذا التحرك، من حق نقابي غير قابل للمساومة، إلى الدفاع عن مكاسب القطاع، وصولًا إلى الحقوق المادية لأبناء الأساتذة وبناتهم، وتفعيل اتفاق 23 ماي، ليست مطالب ظرفية أو فئوية ضيقة، بل هي تعبير عن معركة أوسع من أجل صون كرامة العاملين في التعليم وضمان شروط حياة لائقة لهم. وهي أيضًا تأكيد على أن المدرسة العمومية لا يمكن أن تنهض دون مدرسٍ مُكرّمٍ ماديًا ومعنويًا.
وكما هو الشأن في كل الإضرابات القطاعية والعامة، فإن هذا التحرك يتجاوز أسبابه المباشرة ليعيد طرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالأزمة الهيكلية التي تعيشها البلاد. فارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، وتدهور المقدرة الشرائية، واتساع رقعة الفقر والتهميش، كلها عوامل تجعل من أي زيادة منتظرة مجرد إجراء محدود الأثر، خاصة في ظل نسب تضخم أكلت الأخضر واليابس وقضت على ما تبقى من مدخرات الطبقة العاملة.
إن غياب سياسات عمومية ناجعة وتشاركية، قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين، يزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي ويدفع بمختلف القطاعات إلى التحرك دفاعًا عن الحد الأدنى من الحقوق. وفي هذا السياق، يبرز إضراب التعليم الثانوي كجزء من حراك أوسع يطالب بإعادة توجيه السياسات نحو خدمة الشعب، لا نحو تعميق الأزمات.
ولم يكن غريبًا، في المقابل، أن تتكثف محاولات إضعاف هذا التحرك والتشكيك فيه. فالطرف الحكومي، الذي دأب على ضرب الأجسام الوسيطة وفي مقدمتها النقابات، يسعى إلى التنصل من التزاماته عبر ممارسة شتى أشكال الضغط، من التهديد بقطع اجر يوم الإضراب إلى توظيف الآلة الدعائية التقليدية والرقمية لتشويه العمل النقابي.
وتُعاد في كل مرة نفس الشعارات الجاهزة حول “إضاعة يوم من المعرفة”و “استعمال التلاميذ كرهائن”، في محاولة لتأليب الرأي العام واستعمال التلاميذ كوسيلة ضغط، بدل معالجة الأسباب الحقيقية للاحتجاج.
غير أن ما يدعو للأسف أيضًا هو بعض الممارسات داخل القطاع نفسه، حيث يستغل البعض لحظة الإضراب لتصفية حسابات شخصية او انتخابوية او نقابوية ضيقة، قديمة كانت أو مستجدة.
وهي سلوكيات لا تخدم إلا أعداء العمل النقابي، ولا تؤدي إلا إلى إضعاف وحدة القاعدة الأستاذية التي تبقى شرطًا أساسيًا لأي انتصار.
ورغم كل ذلك، فإن تقاليد قطاع التعليم الثانوي تظل راسخة في الدفاع عن منظوريه، وفي الانحياز إلى مدرسة عمومية ديمقراطية، ومجانية، وجامعة، في خدمة أبناء الشعب. ولقد أثبت هذا القطاع، مرة بعد مرة، أنه قادر على تجاوز الخلافات الثانوية والالتفاف حول القضايا الجوهرية، وأنه يشكل قوة اقتراح ونضال في آن واحد.
إن نجاح هذا الإضراب ليس نهاية المعركة، بل هو خطوة جديدة في مسار طويل يتطلب مزيدًا من الوحدة واليقظة والتنظيم. فالدفاع عن الحقوق لا ينفصل عن الدفاع عن مشروع مجتمعي عادل، تكون فيه المعرفة حقًا للجميع، ويكون فيه المربي في المكانة التي يستحقها.
