الشعب نيوز / المنذر العيني – ليس من عملٍ يُنشئه التّفاعل الإيجابي مع المتجاور والمبعَد قدر ذلك التأمّل مع المفكَّر فيه من ٱثار تشكيليّة حيّةٍ، إنشاءً تداوليا يمكّن من إختبارات قريبةٍ في الممكن من اللّغة تحاول سرج مفرداتها حتّى تتلاءم مع تلك العهود في تدوين الحركة من الوصف إلى المجرّد أو العكس، في سعي يتحقّق في الاحتمال، ذلك ما أنبأت به منذ البدء رسوماتٌ على السّفوح في حقب من تواريخ ٱبدة، ما يفتأ الصّيد يقيم دليلا على التّشكيل خبرا وٱونةً، حياةً وتنفّسا، ما يفتأ العرض حيّزا معرفيّا خارقا يخلق لغةً علامةً متحوّرةً صاعدةً للقربى، للتّقرّب والإصغاء، أو التعبّد والإلهام مسرحا لذاكرة ترتقي عبر الأزمنة والتّواريخ.

المسألة تتأكّد من متواريات على اللّوحة وهي تشتقّ من متعهّدات قريبة بعيدة في التّرميز، ما يسطيع المتدارك من روحانيّات غارقة في النّسخ. هل يمكن حينئذ أن نصف رموزا تاريخيّة محليّة عالميّة أنّها من نفس الجنس تنتمي عالمة متحرّرة دافعة لحداثة حاثّةٍ مرتقبة تنتظر اعترافا ما؟
ذلك شأن ٱخر مع أراضين يعسر على المؤوّل أن يمنحَها الانتماء، ويمنحَها. ما تقوله الألوان يكشفه الكشط والخدش والتّعرية والحفر والزّينة والتّبرّج والغضّ في الزّوايا من المواشير الخديعة والمراسم الحروفيّة عند احترازاتها من اشتقاق ما.
والملء والغيض من فيض تلك المحذورات، تعينه ٱداءات الورشة في محنتها مع الانسجام.والمنتَجُ ناتِجٌ خام من المفهوم إلى الفكرة ومنهما إلى العمل إلى العبارة في بلورة حيّة عالية لا تنتهي معها المتناولات من متوازيات مع منحنيات عالميّة قد تحتكم معها الهندسة والرّشومات في نوافذها عاصرة عاتية ٱتية من بعيد تحتسب للمتأمّل أوقافه من عهودٍ نفسيّةٍ عالية عبر مشتركات من أحساسيس تغمش داخلا لتوقظه ثانية أن الانتماء فرديّا جمعيّا أو لا يكون.

تلك هي الأرض، الأرض الرّوحيّة الكونيّة ليس في اعتمالاتها التّصوفيّة العاديّة المكرّسة ولكن في بياناتها تتجاوز حدود الاستعارة المألوفة لتؤلّف حدوسا شتّى تذهب في مذاهبها حيثما تتعثّر في معانيها الجمّة، تتلقّفها أبيض منتبذا حيّا قد يعرّفها أو قد يقترب من تماساتها المزاريّة المحتملة.
تقديم
من ذا الذي لا يعرف سامي بن عامر في تونسيّته التّشكيلية أستاذا قدّيرا يعلو منابره منذ أن فتئ يتباحث مع مجايِليه نظريّات وممارسات تتنافس في ٱداءاتها الاحترافيّة نظرا وتحقيقا. في عاملياتٍ شتّى لأقواس التّكوين عبر الحلقات والورشات، تسعه قدرته على التّماهي مع مدرسة تونس تؤسّس للمقامات التّعبيريٌة في تخلقّات رؤيويّة تنفيذيّة للحداثة متمثٌلة في شؤونها الجماليّة المتعدّدة للتّثوير لا تفقد إمضاءاتها من جغرافيات ومحليّات وما طبعها من مسالك وروافد وانطباعات قدِرت على الإعلاء في تشوفّها التأمّلي حاملة للقيمة وللمعيار.

دائم الحركة منذ مشاركاته ومداخلاته ومعارضه الأولى، فائق الانتباه في تجذير إمضاءاته المتناوبة عن لوحاته تعبِّره البيانات من مجازات مشتركة وغير مشتركة مع ثلّته المؤسّسة للمدارات ضمن ما يحفّزه على الاختلاف في تقديراته الفنيّة الجماليّة معترفا بما راكمته التّجارب في مردوديّاتها الأكادميّة والعصاميّة ترسم حركات الإقامة في هويّتها الكاشفة الأولى وفي متنوّعاتها من التّجارب والتّجريب عبر الانطباعات والتّجاريد والمفترضات .

يواصل في انسجامه مع الفكرة عبر معارضه وورشاته حتّى غدا للمسيرة عنوان عالميّ ينطلق ممّا أملته المفاهيم المتعاقبة الخالقة لفعله التّحرّري يستنطق من أرصدة غائرة عاملة هي من ألق التّسمية أو من صميم أفكاره عبر متناولات من القراءات والمسارات والتراتيب الهيكليّة في نشأةٍ ونشوءٍ :” الأرض” بكارتها، أوجلالها، أو روحانيّاتيها، في إرسالات بيانيّة تنفتح وتنغلق مع طاقات التّأويل في الوصل بين ما تبنيه التّقنيات شغفا متواترا محكما منضبطا وبين ما تُنبّه إليه من انجرافات رائيّة تتلوها أخرى، ماضية في خلق حساسيّاتٍ لا تصل أبدا، من مخبر إلى ٱخر أو من مشغل إلى ٱخر في حوّافها المطلّة على الواقع أو على ما يفوقه في عطورها وتقاسيمها وشجونها وإنباءاتها وما تفرضه من ٱذانٍ ومن طقوس منذورة ومن خشوع وخشية لافتة عبر ما تتوسّمه من حياةٍ ذات قداسة ضمن أروقة تأمّليّة وقراءات.

المعرض هذه المرّة على أرض الحمّامات في المركز الثّقافي الدّولي بين دوالي الظّلال تحت أسقفها من العاشر من نيسان أفريل إلى الرابع والعشرين منه. تدلي لوحاته التي تقارب الثّلاثين بمساحاتٍ هائلة للمساحات150/150 من الصّنتمترات وتخلق في دوائرها أيضا علاقة متناسبة مع الكرويّة تتحاور في شؤونها أواصر أخرى مع الطّبقات من الألوان تذهب بالمتأمّل إلى أكثر من تصريف.

الأرض الرّوحية هكذا عَنون الباحث التّشكيليّ الفنّان المتمرّس الخبير بالأدوار تتعاضد في مقروئيّاتها. ما القصد حينئذ من عيادةٍ أو وِعدةٍ كهذه تأتمر بأوامرها الألوان والعلامات؟ ما الإشارات في بحثه عن توزّع مبرّر من محليّاته إلى عالميّاته أيضا وهو إلى أسرار ورشته في إفرازاتها الحينيّة في حجبها وكشفها في مناورة حثيثة مع الكثافة ومع الغموض في متنوّعات من الأحراص التّقنيّة متسارعة على يديْه تؤدّي واجبات القيمة والدقّة والامتياز.

الأرض الرّوحيّة بكل ما جرّدته هيكلة الزّيتونة والدّوائر والتّشطيبات والمقاطع والأهلّة والمتواترات من رموز محليّة عالميّة حاقّة ومن حصريّات متوزّعة تتناغم تشكيليّة تكاد لا تُرى لولا أن يَتفطّن إليها ذلك الّذي من يعيش تلك اللّحظات من شغف العمق إلى الحلقة في إعلاءاتها المخصوصة حتّى ننتقل من الفرجة والفرحة إلى حالة من العسر إلى اليسر في متناوبات من صلوات تساؤليّة شتّى حتّى تتبيّن بيانات وأسحار من ذلك البديع على قماشات أشبه بمقاطع من ٱثار أوبقايا من مرور وحضارات قد تتعالى منها أصوات وأصداء غائرة ورسالات.

المعرض مناسبة للوقوف عل نسيب حيّ يتدرّج بالمراوغة منذ تأسيسات مشتركة مع تنافذ عالميّ من حراك داخليّ تفرضه الحنكة، خبرة الرّجل في ما تلفظّته لوحات العالم أزمنة من التّفكيك تتعامل مع ما ترسّب من تاريخيات محليّة وما خلّفته لوائح روائح مدائح تلك المسارات جعلت من الأرض ترصد وحدتها في ما يغمق من ألوان مع مشتركات من سيرة يتمثلّها بن عامر سامي في صياغات هي من العالميّة تتكرّر في مصوغها الإنجازي التّقني على سهولها أو سطوحها من شياع التّربيعة أو من حملها الدّائريّ، وفي عياراتها التّأويلية أفكار وأنهار من مركّبات ميتافيزيقيّة تنحو إلى حراك التّفلسف الذي لا ينتهي.
الأرض الروحيّة : الانتماء والتّجاوز
جعل بن عامر” الأرض” محور عمليّاته الجماليّة في تقديرها الأوّلي للهويّة في تونسيّته يرتفع شأنها مع المداومة ومع التّأصيل حاضنة للانتماء في مدارته التي لا تنفصل عن تلك الجذور في جنوبها الصفاقسيّ وفي ملاحمهه من تراتيله الغنائية عبر المٱدب والحلقات. الذّاكرة تثقب ما تواتر من النّسيان على خرائطها التّشكيليّة، الذّاكرة تبدأ بالانتفاض حتّى تتصالح مع الإنسانيّ فينا تمزج في ما تمزجه الحركة التّشكيلية من رموز مشتركة تونسيّة متوسطيّة عالمية في ٱن. في تصوّر بنائي أنّ الهويّة ليست ثابتة تتحرّك تراكميّة مع المنجز الإنسانيّ متصّلة دائما ليست منفصلة تثبتها ما توصّل إليه الإنسان من عنفوان تكنولوجيّ خارق.
لوحات بن عامر على تلك الجدران مساحات من أراضين مرسلة تُفكّك في أشغابها الموسومة ماقد تواتر من هياكل مرسومات ردودا منتفضة حية مشتركة، وفي جزئيّاتها المدروسة تنبئ بالعلامة موحدّة ترسّخ طاقة كونية تنشأ من عامليّات تذهب نحو تعريفات شتّى بين ما يمكن أن يقوم من مفاهيم بين الأرض وبين الرّوحية أو الرّوحانيّة من ماهيّة ومن تعريف يفرق في قربه أو بعده من الطّراز أومن نبذات متشابكة تتعالق مع طرائق في التّنفّس وذلك ما يولدّه الإدلاء بالتجاوز أيضا جغرافيات تتشابه تتنافذ في خليقة الفعل الإنساني حيثما وجد، والوصل بينهما من خلال ما تدرّجت به هذه الصّفائح من قماشات غامقة لا تتأثر بالإضاءات قدر ما تبهر من اعتمالات داخليّة نابضة تقترب من هكذا خفقان أو من حوادث في هذه الخلجان تتوزّع من الرّيف إلى العاصمة ومنها إلى العواصم.
ذهابه إلى تشكيلات رمزيّة من متراكمات للمادّة على المادّة أو أسفلها، فيها ما فيها من الطّمس والإظهار فيها مافيها من خدوش للألوان ومن إخفاءات يبرّرها الإغماء ويظهرها الكشط …كلّ ذلك من أجل تحيينات حيّة تحيي وتميت في ألوانها التّرابية داكنة مشبعة تتحاور في عالمياتها مع انسلم كيفر في ذاكرته للأرض وتتعاقد مع بول كلي في أثقالها في ترسباتها ضدّ تخفّفه او شفافيته مع أشكاله المواربة مع الضّعف، وكذلك في تماهيه مع موسيقى داخليّة أشبه بما تناولته أبعاد فاسيلي كاندينسكي في معارجه الفنيّة وهو يوحي معه بما قد يتعاقد معه من أجراس في خلفيتين تتقاربان مع المبدإ، فالأرضيّات سانحة لذلك بما تلائمه من هندسات لها رسوماتها البيانية حتّى وإن لاحت في طبقاتها الثّاوية لها ما لها من أبعادها الرّوحية .
الجذب متواصل في هذه الدّراية التي تفرز شخصيّة الفنّان وهو ينتمي لمجازاته التّونسيّة يرسلها إلى أحواز قريبة من إنسانيته تقدر أن تبلغ تماسّها مع الكونيّة وما أمرُ ” تانيت” تخصب مراعيها إلاّ من أمر اللّولب يحكم عدالته بين النّقائض.
تضحي لوحات بن عامر أبعادا مرئية أو غير مرئية قادرة على التفسّخ والانحلال مع من يتشربّها في سياقات حدسيّة حقيقةٍ بالضّبط ليست في سياقات الرّؤية قدر التزامها بما يمكن أن تتمثّله بديلا أمام ما انجرّ من برودة العالم جرّاء أفعال وأفعال، هي القيمة في مراتبها الإصلاحيّية تعلي من شأن الصّدق ومن شأن الأمانة في محاولات لاستعادة ما يسمّى بالمعنى التزاما ثوريّا صارما تتناسله الرايات الحمراء المنبثقة عن ألوان الأراضين حامية في كتيبتها.
الأرض الروحية مدارات للتصوّف في منحنيات عسيرة ضيّقة، يشاء الوقوف أن يلائمها بما ينبغي له من تواضعات لحروفيّات تنحرف عن مساراتها التّقليدية بها شبهة التّهجين، لتوظّف عناقيد ملحمية تتصاخب فيها الأصوات ومنها تتناسل الحركات في تناسبها مع نادت به أبيات لابن عربي أو للحلاّج في طفقان شعريّ قد يعاضد مثل هكذا طقوس مع مستودعات للذّاكرة تراسل ما انفتح من ظروف عالميّة غايتها الإنسان الكونيّ وهذا ما تروم إليه هذه الأرض في تقدميها من الجذر إلى الفرع عبر هضم وهضمٍ، فالعالم كما قال ماركيز يبدأ من قريتي .
خاتمة
الأرض الرّوحية لوحات فخمة فاخرة منتبذات صاخبة تتقلّب فيها الطّبقات من ذاكرة حيّة برسوماتها وعلاماتها تعلو غير منبتّة هي أصيلة ممّا يمكن أن يصادفنا في ربوعنا، هي ضرورة تونسيّة أعلاها بن عامر مندرجة في عالميتها عبر ما حكّمها من توليفات تقنيّة أدارت المقاييس وأتمّت الانسجام حتّى تتراءى، تتخلّق طقوس ومواكب من احتفاليات داخليّة بها من المراقي ما تبلغها الروح.

