الشعب نيوز / متابعات – في مشهد بات مألوفًا على أطراف المدن التونسية، تنتشر أسواق بيع قطع غيار السيارات المستعملة، حيث تُعرض المصابيح، المحركات، لوحات القيادة، وحتى القطع الدقيقة والعجلات المطاطية المستعملة.

اليوم، تحولت عدسة “الشعب نيوز” صبيحة الأحد إلى أكبر سوق لقطع الغيار المستعملة، تحديدًا في منطقة المروج. هذا الواقع يعكس تحولًا عميقًا في سلوك المستهلك التونسي، الذي أصبح يلجأ بشكل متزايد إلى هذه الأسواق، مدفوعًا بارتفاع الأسعار ونقص التزويد.
إقبال متزايد تحت ضغط الغلاء
شهدت أسعار قطع الغيار الأصلية ارتفاعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، تزامنًا مع صعوبات التوريد وارتفاع كلفة السيارات عمومًا. فمع تدهور وضعية الطرقات في العديد من المناطق، أصبحت معظمها متهرمة في ظل بنية تحتية مازالت تشكو العديد من النقائص. هذا الوضع جعل من سوق القطع المستعملة خيارًا شبه إجباري لكثير من أصحاب السيارات، خاصة سائقي سيارات الأجرة الذين يعتمدون على مركباتهم كمصدر رزق يومي.

وفي ظل انتظار قد يمتد لأشهر للحصول على قطعة أصلية، يجد المواطن نفسه أمام حل سريع وأقل كلفة: اقتناء قطعة مستعملة، حتى وإن كانت مجهولة المصدر أو غير مضمونة الجودة. هذه الظاهرة أصبحت تسود في المجتمع التونسي، حيث تتصاعد الطلبات على قطع الغيار المستعملة، رغم ما تحمله من مخاطر.

بين المستعمل والمقلّد: غياب المعايير
لا يقتصر الأمر على القطع المستعملة فقط، بل يشمل أيضًا انتشارًا واسعًا للقطع المقلدة التي تغزو السوق، وغالبًا ما تكون أقل جودة ولا تستجيب للمواصفات الفنية المطلوبة. هذه القطع المقلدة تؤثر بشكل كبير على أداء السيارة، وقد تُعرض مالكها لخطر الأعطال المفاجئة، وهو ما يثير قلقًا حقيقيًا حول سلامة السائقين والمواطنين على الطرقات.

وتزداد خطورة الوضع مع غياب رقابة صارمة على هذه المنتجات، حيث يتم بيعها في الأسواق الموازية دون فواتير أو شهادات مطابقة. كما تم تسجيل عمليات حجز لقطع مجهولة المصدر تُباع بطرق غير قانونية في كل مرة، مما يزيد من تعقيد المشكلة ويعزز من الحاجة إلى تدخل حكومي فعال.

الفحص الفني: حل أم إجراء شكلي؟
تُطرح تساؤلات جدية حول دور مراكز الفحص الفني في مراقبة جودة قطع الغيار، خاصة في سيارات الأجرة (اللواج والتاكسي الفردي). فهل تقتصر هذه المراكز على التحقق الظاهري، أم أنها قادرة فعلاً على كشف القطع المقلدة أو غير المطابقة؟
كما ان الصور تشير إلى وجود عديد من التجاوزات، مثل استعمال قطع غيار غير مضمونة الجودة ، وهو ما يطرح علامات استفهام حول نجاعة الرقابة، هذه القطع المقلدة أو المستعملة قد تؤدي إلى خلل في أداء السيارات، مما ينعكس بشكل سلبي على السلامة العامة.

انعكاسات مباشرة على السلامة المرورية
إن استعمال قطع غيار غير مطابقة، سواء كانت مستعملة أو مقلدة، قد يؤدي إلى أعطال مفاجئة وخطيرة، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على سلامة المرور:
– فرامل غير فعالة: قد تؤدي إلى حوادث مرورية مميتة بسبب فشل النظام في الاستجابة للطوارئ.
كما تبرز الصور إطارات مهترئة أو مغشوشة: فقد تساهم في تقليص قدرة السيطرة على المركبة، خاصة في الظروف الجوية السيئة أو الطرقات غير المعبدة.
– أنظمة إضاءة ضعيفة: فقد تضعف الرؤية على الطرقات، مما يزيد من احتمالية وقوع الحوادث الليلية.
وقد ثبت أن بعض هذه التجاوزات، مثل الإطارات المهربة أو الرديئة، تساهم بشكل مباشر في حوادث المرور، مما يجعل المسألة لا تتعلق فقط بالاقتصاد، بل بسلامة الأرواح.

بين الضرورة والتنظيم
رغم المخاطر، لا يمكن إنكار أهمية سوق قطع الغيار المستعملة، خاصة في ظل القدرة الشرائية المحدودة. فهي تمثل متنفسًا حقيقيًا لآلاف التونسيين، الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف القطع الأصلية. لكن الإشكال يكمن في غياب التنظيم والرقابة الفعالة، مما يخلق فجوة كبيرة بين احتياجات السوق ومطالب السلامة العامة.

إن تزايد الاعتماد على القطع المستعملة والمقلدة يبرز الحاجة الملحة لتطوير آليات رقابة فعالة، وتنظيم أفضل للسوق، خصوصًا في ما يتعلق بالقطع المقلدة التي تهدد حياة المواطنين. من الضروري أيضًا تعزيز دور مراكز الفحص الفني لضمان أن القطع المستعملة التي يتم تركيبها في السيارات تفي بالمواصفات المطلوبة.

ختاما ، يبقى التحدي الأساسي في تونس هو تحقيق التوازن بين تمكين المواطن من حلول ميسّرة لصيانة سيارته، وضمان الحد الأدنى من السلامة والجودة. فتنظيم هذا القطاع، ومراقبة القطع المقلدة، وتعزيز دور الفحص الفني، كلها خطوات ضرورية لتقليص المخاطر وتحسين السلامة المرورية. في انتظار ذلك، يظل المواطن الحلقة الأضعف بين غلاء الأسعار ومخاطر الطريق.


صور منتصر العكرمي
