19.9 C
تونس
26 أفريل، 2026 23:18
جريدة الشعب نيوز
ثقافي

الأسعد بن عليّة : ” أولاد الغولة” ما ينزاح عن الأجساد

الشعب نيوز / المنذر العيني – الجسد عامل في حَراكِه التّعبيريّ يتكاثف بكيانه في رصد بؤرة النّفس لاتستقرّ من وعيها إلى ضدّه، بينما الإدلاء يتحرّك في ممارسات فنيّة شتّى تفكّك ما توزّعت عليه مدارات من رسوم وٱداءات تقترن بمواضيع وأحداث بتواريخ ممّا تتعهدّه اللّحظات في صيرورتها.

 

 

الاعتبار التّأمّلي هذا يُحرّض في سعيه أن يتمثّل ٱثارا من ضمنيّات يتقاطع معها الالتزام في أوزاره، ويحدثُ أن تطرأ إحداثيّاتٌ نظريّةٌ في جداولها الجدليّة تعيد نسج هذا الدّاخل تقود إلى دفعٍ في الاشتراك والملاءمة يتيحه الاستقبال، الاستنفار، الدهشة، الشكّ،…رواسب ممّا حتّمته الرّوافد من حركات الوقوف وما قد ينوب من التٱويل تشرّع للممكن من حدوسها تستغرق في حظوظ من الشّفويات والمواريث ومن المشاهدات تعصر حدّتها عند الواقع يستحيل حلما أوكابوسا أو أسطورة من خبر كان، أو معاريج من تداوليّات شتّى محتملةٍ تخرق أفقا للانتظار.
 الظّاهر أنّ الجسد ينحت أجسادا، ضوءا تأمّليّا تصوّريّا لتلك العامليّة ينكشف عند حدود الرّؤية تملأ المساحة وتؤثّث المشهد بكلّ طرافاتها تتعرّج تتموّج تتعابث في ممكناتِها من التّعبئة والانتشار، من مسرحة تشكيليّة تتنافس فيها الألوان والدّوائر والهجائن من الخطوط العابثة مثقلةً بأحاسيس عن الخوف والرّعب والفرح وما بينها من تباعث متنافذ يرشح من سرائرنا…حتّى نستأنس ونعود إلى عبث لم يعد طارئا.
ما الّذي حينئذ لا يتكرّر!؟، كلّ ما تظهره الحركة هذه هو عين القصد حتّى في ذلك الحسبان من القبح أو من السّلب المُجيب، ممّا تتناثره رقصات مشابهة لليد في تدويرها عن حلول لتشكيل تلك الأجساد تتراوح في التّشبيه أو في التّشويه تُعبِّر، تعبرُ شيئا ما، تَصُرُّهُ، تُسِرُّه، تَليه في بيئاتها الواقعيّة الحلميّة العالية السّاقطة في ٱن.
التّجريد تدقيق محض، يُعلنه ما قد يؤول إليه تفكيك، توزيعٌ ما، على نسق هائج قد يظهر أجسادا أو ألوانا مبتورةً منبوذةً مبرومةً مَعْيوفةً بعد أن أكلها الشّفط، الشّرط من شرور الإخفاء والزّيادة معا، في لوالبها المنحنية المتكسّرة، قد لا تتجلّى متجاورة مع معانٍ مخلّقة إلاّ في زواجات محرّمة تفضح قضايا مجتمعيّة ٱسنة أو تزيد من عُجمة الإيحاء.
 تقديم
هو الرّسّام الأسعد بن عليّة في معرضه الأخير بالفضاء الثّقافي” البيرو” بقلب باب البحر بسوسة في قاعة عرضه، تتماهى لوحاته في ألوانها الحارّة من توظيفات مستعجلة في ضرورتها تتحرّك فيها الشّخصيّات تتقلّب في فواعل زمانيّة مكانيّة مرسلة من القصّ التّشكيلي يخرج حكايتَه حكايتَنا تتعالى منها أصواتنا تنوء بأعباء من فروطٍ ومن معتقداتٍ في المناولة.
 أدّت جدارة حيازته على ما ناله من معارف أكاديميّة متنوّعة من البيداغوجي إلى الجماليّ إلى التّنظيريّ، شطارة في الأخذ خوّلت له أن يتجشّم حركة الورشة بهذه المنجزات أراد لها من تسمية تخلخل هدأة الانتظار في إضافيّة بارعة جوّزت أو زوّجت الانتماء لمنظوراته من الأجساد وأوجهها وتفاصيلها في ألعابها وأتعابها ب ” أولاد الغولة”، هذه ” الأولاد ” في تصريفها للمشترك من دوائرها المتحرّكة بين الفصيح والمحكيّ وبين المحكيّ في هامشه منطلقا للتمثّل القضوي وهو يجذب إليه مضافه من ” الغولة” ملفوظةً تغلي في نشوئها وارتقاءاتها بين إفرازات انتروبولوجيّة اجتماعيّة تتمسرح طريقة في الكلام موصولة من الأسطورة أو من إعادة عيشها أو تشكيلها بما يمكن أن تتقاضاه فرضيّات وفرضيّات ممّا تحفزّه تعبيرات يقدّمها الأسعد في سرديٌات حكائيّة، ما سنراه يفصح عن إشكاليّات يتولاّها الرّسّام المنشئ في تقدير واعٍ يفضح لا وعينا يتشاكل بين العرض والتّعويض، يتلاعب فيها الهو مع اعلاه من الأنا في طَرحِه، بسطِه، في شغله على القماشة بطريقة تتبرّم فيها الوجوه والسّحنات في قيامتها من جديد.
يمضي بمعاهدة بينه وبين الرّائي القارئ في ظلال تعبيراته التّشكيلية هذه من الرّؤوس والجماجم والأفواه تحتكم إلى شروخ من معهودنا عند الفرار في حركات لونيّة لا تظهره فقط، بل تبيّن حجم هذه الفزوع. لم يعد هنالك مبرّر للخوف، السّحنات أصبح صراخها صامتا نؤدّيه من خلال الضّحكات تتشدّق، تنهار منها أسئلة ترفع عن نفسها أسباب النّهي والأمر، تحتدّ في رفضها العاصي رغم الٱلام، هذا ما سنقف على نسيبه تحيينه من ما ستتيحه أرضيّاتٌ نظريّة رافدةٌ ممكنةٌ قد أثرّت في الذّات المنشئة ترمي بيدها على القماشة وحول شؤون الورشة عند بن عليّة يضبط دوائره ويتركها تنساب في إرادتها وفي ضدّها، وحول ما يمكن أن يرسب فيه الفنّان حتّى أضحى التّكرار من إمضائه في هذه الطّروس.
أولاد الغولة: ما ينزاح عن الأجساد
تسرد اللّوحات وعي المحبّر يتقصّى خلجانه من مفاهيم غارقة في الابهام حتّى يظهرها على السّطوح تقول أنسابها تتلقّف تحوّلاتها من ثنائيّات بين الوهم والحقيقة في إرسالات سرياليّة محليّة تنبني حجاجا داخليّا من التّصويريّ البصريّ إلى التّصوُريّ النّفسيّ، هو تشخيص يتوتّر باستمرار في تساؤلاته من المخيال الشّعبي إلى جنوح للفلسفيّ يعمل أداته في الهتك والمجازفة.
احتمالات تُنتج بين واجهتي الموضوع والحالة ، فالفنّان لايرسم زينةً قدر ما يبرز ظاهرة عبر ملامح خائفة متحدّية في ٱن، ونتائج للعنف تتشكّل دوائر تكشّر عن أنيابها تُجري الانطباع أو في ما تُخلّفة دقّاتُه في تلك الارتعاشات من مسرح داخليّ تُستدعى فيه الكائنات من ذاكرتنا الشّعبيّة تلفّها زوابعُ وتوابعُ من مخاوف وشدود تشرع في التّغوّل شيئا فشيئا جرّاء أصعدة تكاد تطير محرزة بدايةَ هويّة، جديدُها يَجُبّ قديمها تتقدّم مؤلّفةً هويّة “الأولاد”وقد أضحَوْا في العراء يخافون ولا يخافون. المفارقة في الفنّ حتميّة. وقد استأنسوا بالتّوثّب كتلك الصّيحة للشّنفرى ” ولي دونكم أهلون…” في قضائه ” يديم مطال الجوع حتّى يميتَه”، يذهلون من أمر هذا القلب من الخوف إلى مواجهة أقدارهم، إلى السّؤال إلى النّضال يتواصون بالصّبر يتواصون بالحقّ.
 التّعارض أو التّصافح يتنافذ مع مجريات الفنون حين تريد الغوص للابانة عن ممكنات في الإرادة في جذبها الاستعاريّ وما أولاد الغولة إلا تأصيلٌ يرسل إشعاعه بالإقدام والشّجاعة والتّهكّم في ما أجبرته علينا تلك الألوان في إشعاعها الدّموي وفي وظيفيّاتٍ تتقن رسوخها من نزال إلى ٱخر تتيح لنا تماسّها مع تواصلها الرّمزي مع جبهات البروليتاريا تتيسّر في يسارها في رهاناتها من جحيم إلى ٱخر، تضحي معه اللّوحة حينئذ غرقا في الالتزام بعد مٱلات تعود وتجيء من الماضي إلى الحاضر في جدل واجد خيط سريرته من المعاني والأخبار.
تتكتّل هذه الوجوه عبر ما تفرزه الألوان من نحوت داخليّة تنتأُ أحيانا، وتغرق في سككها، تتكوّر الخطوط ممتلئة بالأسود خلفيّة أو بالأصفر واجهة أو بالأحمر ساحة من قواقع تتحرّك أو أشباح تتعالى عن واقع لتعوم فيه، تَجْمُل قلقة انطلاقا من ضغوط على تلك الخطوط في زمام أمورها ترعى القماشة متشابكة حادّة تتزواج مع لونيّات مغمورة بفعل المزج غامقة في أغساقها، في مغاربها من الإشارات والعلامات، من أجل تمثّلٍ حركيٍّ ممكن في انتفاضات مدجّجة بعلقات تصرخ لا ينتظر منها بن عليّة غير اقناع العالم أنّ اللّوحة ليست مطالبةً بشيء إلاّ من زلزلة في عمقها من التّأويل، ترمي بأطرافها بأسنتّها تحفر في صفوفها من العلامات من أبطالها يتٱلفون في وحدتهم القاسية يهجمون على ما ترسّب في أعماقهم من وُهومٍ وأحمال.
ينذر الأسعد أنّ مخلوقاتِه الغرائبيّةَ في تراسلها مع الكاريكاتور لا تطبع في المؤتلف مع الهدوء، بل تؤلّف مع المختلف ثأرا داخليّا متعدّدا متشظيّا موحّدا في ٱن، قد يتعالق مع حدودٍ لموريس مورلوبنتي في تعاطيه البنائي في وظائفيّة الجسد مرتكزا منطقيّا في أناه ترافع عنه، أو مع تحيله العلاقة في تماسّاتها مع صرخات العناصر لفرانييس بيكون في تسرّب أو تشرّد ما تعليه هذه الفوهات من مسارات متقاطعة في هذه المنعرجات من الصّروف الذهنيّة عند القراءة.
أجساد مبذّرة بين دنياها وٱخرتها تتحدّى ديانات خرافيّة بذلك العيش في ظلّ القناعة والرّضوخ حتّى يتعالى الرّفض في دافعيّات تبحث عن قيامتها عن ولادتها رغم ما تراكم من رهانات نفسيّة خاسئة تعبر نوافذ تشكيليّة تتكرّر فيها الحركات، ولا تتكرّر، النّسق راقص فاحص في استفاقته على الأوجاع بين الأعمال من الاختبارات التّقنيّة نحو التّحاليل النّفسيّة إلى إفرازات ثوريّة ناشئة.
الأسعد بن عليّة يصبغ على لوحاته في ” اولاد الغولة” شرائح من علائق مع الكينونة تتجسّد فازعة للمواجهة، ندرك بذلك أنّنا أجساده يدفعنا أن نوثّق تلك الكوابيس من أجل أن نتجاوزها. طريقته للحضور في هذا العالم.

مقالات مشابهة

مهرجان الدوحة السينمائي : رجاء العماري وظافر العابدين عضوا لجنة تحكيم الأفلام الطويلة

admin

أفضل فيلم إفريقي وأفضل ممثل وممثلة : 3 ترشيحات لفيلم جزيرة الغفران لرضا الباهي في جوائز سبتيموس الدولية بهولندا

admin

وفاة المصورة السينمائية ياسمينة قايدة في السعودية

admin