الشعب نيوز / خليفة شوشان – حجم الدمار الذي خلّفه العدوان الصهيوني على قطاع غزّة طيلة سنتين من حرب الإبادة المتواصلة اليوم مثّل شهادة موثقة على توحّش هذا الكيان الذي تجاوز كلّ الحدود، وأكد أن السلام معه مجرّد وهم سراب خادع لا يراه إلا المستسلمون.
كل هذا العدوان على غزة يجب أن لا يحجب عنّا التنبّه لخطورة العدوان الذي لا يقلّ همجية رغم كل أساليب وأشكال المكر والتمويه القانونيّة التي اتخذها. والمتمثل في جريمة الاستيطان والتهويد والتهجير التي شهدتها وتشهدها الضفة الغربية وخاصة في السنوات الثلاث الأخيرة.
أوسلو السراب والخطيئة
نصت اتفاقيات أوسلو على تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق إدارية وعسكرية سميت مناطق «أ، ب وج» تمهيدا لما أطلق عليه بالمرحلة الانتقالية التي تفضي حسب بنود الاتفاق إلى التسوية النهائية وتحقيق السلام.
يميّز هذا التقسيم بين المناطق على أساس درجة الحضور والسيطرة الإدارية والعسكرية للاحتلال الصهيوني، حيث تكون المناطق «أ» خالية من أي وجود للاحتلال الصهيوني مدني كان أو عسكري وتخضع لسيطرة فلسطينية كاملة وتشمل المراكز الحضرية الكبرى. ومن المفترض أن تكون خالية من المستوطنات.
أما المناطق «ب» فمن المفترض أن تدار مدنيا من قبل الفلسطينيين مع سيطرة عسكريّة للاحتلال.
وتشمل غالبية القرى والتجمعات الريفية. ولم تخصص هذه المنطقة للاستيطان وفق الاتفاق.
في حين تخضع المناطق «ج» بالكامل للسيطرة الصهيونية بما في ذلك الأنشطة الاستيطانيّة، وتشكل نحو 60 % من مساحة الضفة الغربية، وتخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة، وهي المجال الرئيسي للتوسع الاستيطاني الصهيوني والبنية التحتية المرتبطة به.
تحايل على الاتفاقيات وإعادة التقسيم
غير أن الكيان كعادته تنكر لكل هذه الاتفاقيات وتحايل عليها وضرب ببنودها عرض الحائط، بل استغلها لصالحه للتسريع في وتيرة مشروعه الاستيطاني الإحلالي.
لم يكتف بمواصلة توسعه المباشر داخل ما سمي بالمناطق «ج» والتي أجازت له الاتفاقيات حق الإشراف عليها إداريا وعسكريا بل مضى قُدما في اختراق المناطق «أ» و«ب» وضمها الى مشروعه التوسعي الاستيطاني من خلال سياسة إعادة تشكيل التقسيم الرسمي من الداخل، وذلك عبر توظيف أدوات التّخطيط والبنية التحتية كآليات مرنة لتجاوز القيود القانونية الظاهرية التي تضمنتها الاتفاقية.
ومن ثَمَّ تفريغ الاتفاقية من مضمونها السياسي والإداري، وتحويل كل جغرافيا الضفّة الغربيّة وكل مناطق التقسيم إلى مساحات قابلة للاختراق والقضم وتوسيع المشروع الاستيطاني، دون خرق شكلي للإطار القانوني.
تحالف اليمين المتطرف يستبيح الضفّة
في عدوانه الاستيطاني على الضفة الغربية لم يكتفِ العدوّ الصهيوني باستهداف البشر والحجر كما فعل في غزّة بل كانت أعينه على الأرض عنوان الصراع الرئيسي، حيث أطلق العنان لأخطر مشروع استيطاني ينفذه منذ أكثر من ثلاثة عقود تاريخ إمضاء اتفاقيّات أوسلو.
مشروع نفذته حكومة تحالف اليمين الصهيوني المتطرف بقيادة مجرم الحرب «بنيامين ناتنياهو» وبتوجيه وتنفيذ من وزيريه للأمن القومي «إيتمار بن غفير» وللمالية «بتسلئيل سموتريتش» وعصابات المستوطنين المسعورة. مشروع حوّل الجغرافيا الفلسطينية إلى ما يشبه «الأرخبيل» من الجزر الصغيرة المتناثرة والمعزولة وسط محيط من المستوطنات الصهيونيّة الآخذة في التوسع والتمدد.
وتيرة الاستيطان الصهيوني وضمّ الأراضي الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين تسارعت في السنوات الثلاث الأخيرة مستغلة التركيز الإعلامي على العدوان على عزّة والموت شبه السريري للسلطة الفلسطينية.
لينتقل مشروع الاستيطان من السياسة الرسميّة الحكوميّة إلى «تحرير المبادرة» للمستوطنين وتحريضهم من خلال حركات ومنظمات إرهابية مثل «غوشي ايمونيم»، «إلعاد»، «أمانا» و«ناحالا» التي عملت على توسيع المستوطنات القائمة ونشر البؤر الاستيطانية بدعم وتغطية رسمية من الجيش الصهيوني ودعم تحالف اليمين المتطرف الحكومي.
ولعل أخطر الأشكال التي ابتدعتها العصابات الاستيطانية ما يسمى «بالاستيطاني الرعوي» حيث يعمد عدد من المستوطنين إلى نصب خيمة وجلب قطيع من الأغنام في الأراضي الفلسطينية المستهدفة ويتمّ توفير الحماية الرسمية لهم من الجيش الصهيوني، وبذلك يتمكنون من السيطرة على آلاف الدونمات من الأراضي المحيطة وتحويلها إلى بؤرة استيطانية.
وبهذا الأسلوب تمكنوا من إنشاء أكثر من 165 بؤرة منذ 2023 منها 89 بؤرة فقط سنة 2025. قبل أن يتمّ شرْعنة هذه البؤر العشوائية وتحويلها إلى بلدات قانونية يتمّ ربطها بالبنية التحتية الصهيونية من مياه وكهرباء وبقية الخدمات لتنتزع نهائيا من جغرافيا الدولة الفلسطينية الموعودة في اتفاقيات السلام الخلّب.
أرقام صادمة
تكشف أحدث البيانات الميدانية عن سيطرة صهيونيّة «متعددة الأشكال على أراضي الضفة، حيث تفيد الأرقام أن عدد المستوطنين بما في ذلك «القدس الشرقيّة» بلغ أكثر من 780 ألف مستوطن، يتوزعون على 192 مستوطنة رسمية وما يزيد على 350 بؤرة استيطانية.
فقد تحوّل هذا النمط الاستيطاني المتسارع الى استراتيجيا صهيونيّة تهدف إلى تقطيع الجغرافيا الفلسطينية وقطع التواصل والفصل بين المدن الفلسطينية الكبرى.
ومكنت هذه الاستراتيجيا الكيان الصهيوني من السيطرة على قرابة 42 % من مساحة الضفة الغربيّة.
بعد أن تحولت المناطق المصنفة «ج» وفق اتفاق أوسلو والتي تمثّل قرابة 61 ٪ من المساحة الجملية للضفة، إلى مخزون استراتيجي للاستيطان يحظر على الفلسطينيين البناء في 99 ٪ منها، مقابل تسهيلات واسعة تمنح للمستوطنين.
34 مستوطنة جديدة
بداية شهر أفريل الجاري تناقلت وسائل الإعلام الصهيونية خبرا مفاده أن المجلس الوزاري الصهيوني المصغر المسمى «كابينيت» قرر إنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية.
قرار لم يتمّ إعلانه رسميا، ورفضت «وزارة الدفاع» الصهيونية المسؤولة عن المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة التعليق عليه.
قرار أدانته الرئاسة الفلسطينية واعتبرته «تصعيدًا خطيرا وانتهاكا صارخا للقانون الدولي» وأكدت في بيانها أن «الاستيطان بجميع أشكاله في كامل الأرض الفلسطينية المحتلة غير شرعيّ، استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية، وآخرها القرار 2334». كما استنكرته وشجبته وأدانته الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.
34 مستوطنة جديدة ستنضاف إلى 68 مستوطنة أنشأها اليمين المتطرف منذ وصوله إلى السلطة في تحالف مع المجرم «ناتنياهو» نهاية عام 2022 لتتسارع وتيرتها بعد أكتوبر 2023 وانطلاق العدوان الصهيوني على غزّة ولتتعزز أكثر إثر وصول «دونالد ترامب» إلى البيت الأبيض موفى سنة 2024.
