الشعب نيوز / ناجح مبارك – احتضنت ولاية الوادي بالجزائر، من 27 إلى 29 أفريل 2026، فعاليات الأيام الوطنية للشعر الفصيح والشعبي، في دورة متميزة نظّمها اتحاد الكتّاب الجزائريين برئاسة الدكتور صالح خطاب، بالتعاون مع دار الثقافة الوادي، لتتحول المدينة إلى فضاء نابض بالكلمة والإبداع، حيث تلاقحت التجارب الشعرية وتقاطعت الرؤى النقدية في مشهد ثقافي ثري ومتنوّع.
* امانة النص
وجاءت هذه الدورة تحت عنوان لافت: “الترجمة بين أمانة النص ومغامرة الناص”، وهو إختيار يعكس انشغالا معرفيا عميقا بإحدى أكثر القضايا حساسية في الحقل الأدبي، حيث لا تقف الترجمة عند حدود النقل الحرفي، بل تتجاوزها إلى مساءلة الإبداع ذاته وحدود الأمانة والابتكار.
تميّزت هذه التظاهرة بحضور لافت لعدد من الأسماء البارزة في الساحة الأدبية والثقافية الجزائرية، من بينهم الشعراء :عبد المجيد علاق، عبد الباسط علاوة، عاشور بوضياف، مسعودة عفيفي، فوزية شنة، الأزهر المحمودي، أحمد مكاوي، عبد الباسط كرثيو، الياس صابر، خليل عباس، مراد غزال، محمد سليم الميداوي البشير المثردي، عبد المجيد عناد، مهدي غمام، الجيلاني شوشان، محمود العياشي، العربي كنيوة، ابراهيم بلول، و بشير ميلودي و يونس مسعودان و رابح روابحي و الصوت الاعلامي و الفني رانية السلامي..
* حضور نقدي
كما شهدت الفعاليات حضورا نقديا وازنا، تمثل في كل من عامر شارف، رابح كندولي، يوسف بديدة، وبشير غريب.. إلى جانب أسماء أخرى ساهمت في إثراء النقاشات وإضفاء عمق فكري على الندوات.
ولم تغب المشاركة التونسية عن هذا الحدث، حيث حضر الشعراء: عبد الحميد بريك، محمد نجيب هاني، لطفي زكري، راضية بصيلة، وبسمة الدرعي، في تأكيد على روح الانفتاح الثقافي والتواصل المغاربي.
كان الإفتتاح الرسمي مع عرض فني مميّز احتضنته دار الثقافة محمد لمين عمودي تمثل في أوبريت ضخم بعنوان “بلاد ورجال”. وقد شكّل هذا العمل لحظة فنية فارقة إذ جمع عددا كبيرا من الشعراء الشعبيين في تجربة جماعية نادرة امتدت على مدار ساعة ونصف، في مزج بين الكلمة والأداء والفرجة، ليؤسس بذلك لواحد من أبرز العروض الشعرية الجماعية في هذا السياق.
* ثراء التجربة
توزعت القراءات الشعرية على أيام الملتقى، وتنوّعت فضاءاتها بما أتاح للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع النصوص والأصوات المختلفة. وقد عكست هذه الأمسيات ثراء التجربة الشعرية الجزائرية بين الفصيح والشعبي، وبين التجريب والوفاء للتقاليد في مشهد تتجاور فيه الأجيال وتتقاطع فيه الأساليب.
و تجدر الاشارة إلى أن الحضور الشعري لم يكن مجرد إلقاء للنصوص فقط بل كان مناسبة لتبادل الخبرات والتجارب حيث تداخلت الأصوات وتقاطعت الحساسيات، من الشعر الشعبي الذي ظل وفيًا لنبض البيئة والذاكرة الجماعية، إلى الشعر الفصيح الذي واصل مساءلة اللغة والذات والعالم، في محاولة دائمة لإعادة تشكيل المعنى.
الندوة العلمية التي انتظمت ضمن فعاليات الملتقى قد شكلت لحظة تأمل نظري في واحدة من أعقد قضايا الأدب المعاصر وهي قضية الترجمة.
وقد جاءت مداخلة الدكتور صالح خطاب لتعالج مسألة “الترجمة” وتفتح أفقا نقديا مهما، حيث لم تُطرح الترجمة بوصفها عملية نقل ميكانيكي للنص لكن باعتبارها فعلا إبداعيا قائما بذاته يتأرجح بين الوفاء للنص الأصلي والانفتاح على روح اللغة المنقول إليها. وقد خلصت المداخلة إلى أن معيار نجاح الترجمة يكمن في مدى قدرتها على إعادة إنتاج الأثر الجمالي والمعرفي للنص داخل سياق لغوي وثقافي مغاير..
* معالم وفضاءات
لم تقتصر فعاليات الملتقى على الجانب الأدبي، بل شملت أيضا برنامجا سياحيا متنوعا، حيث نظّم القائمون زيارات إلى عدد من المعالم والفضاءات السياحية بولاية الوادي، مما أتاح للضيوف التعرف على خصوصية المنطقة، بما تحمله من جمال طبيعي وثراء ثقافي.
هكذا، بدت الأيام الوطنية للشعر الفصيح والشعبي بالوادي أكثر من مجرد لقاء أدبي، كانت مساحة للتفكير في الشعر بوصفه فعل حياة وفي الترجمة كمغامرة معرفية وفي الثقافة بوصفها جسرا ممتدا بين الأصوات واللغات والتجارب.
