الشعب نيوز / نصر الدين ساسي – أشرف الأخ صلاح الدين السالمي، بمعية الأخ أحمد الجزيري، وبحضور الأخ بولبابة السالمي، على افتتاح المائدة المستديرة التي نظمها قسم الدراسات والتوثيق بالاتحاد العام التونسي للشغل حول “التوجهات الكبرى لقانون المالية لسنة 2027”.
وشهدت الندوة حضور عدد من النقابيين والخبراء والإطارات المالية والبنكية وممثلين عن الجهات والهياكل النقابية، إلى جانب مهتمين بالشأن الاقتصادي والاجتماعي، في إطار سعي الاتحاد إلى فتح نقاش تشاركي حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية المنتظرة وانعكاساتها على الأجراء والخدمات العمومية والتوازنات المالية للدولة.
* أحمد الجزيري: توسيع النقاش حول الإصلاحات الكبرى
وأكد الأخ أحمد الجزيري، بمناسبة افتتاح أشغال الندوة، أن هذا اللقاء يندرج ضمن توجه قسم الدراسات والتوثيق إلى توسيع دائرة النقاش حول الإصلاحات الاقتصادية والمالية الكبرى التي تحتاجها البلاد خلال المرحلة القادمة.
وأوضح الجزيري أن هذه المائدة المستديرة لم تكن موجهة لقطاع بعينه، بل جاءت كفضاء مفتوح للنقاش وتبادل الرؤى حول التوجهات العامة لقانون المالية القادم، بحضور إطارات بنكية ومالية وعدد من الخبراء والجامعيين والنقابيين من مختلف الجهات والهياكل.
وأضاف أن قسم الدراسات والتوثيق حرص على إثراء النقاش عبر دعوة عدد من المختصين والخبراء المعروفين في الساحة الأكاديمية والاقتصادية، على غرار الأستاذ كريم الطرابلسي والأستاذ منجي السماعلي، بهدف فتح حوار جدي حول طبيعة الإصلاحات الكبرى التي يتطلبها مشروع قانون المالية لسنة 2027.
وشدد الجزيري على أن الاتحاد يسعى من خلال مثل هذه المبادرات إلى ترسيخ منهج تشاركي في صياغة التصورات والمواقف، مؤكداً أن النقاش لا يجب أن يبقى حكراً على مجموعة ضيقة أو أن يُختزل في قرارات أحادية، بل ينبغي أن يكون ثمرة مساهمة جماعية يشارك فيها النقابيون والخبراء ومختلف مكونات المجتمع المدني.
كما ثمّن حضور أعضاء من الهيئة الإدارية الوطنية والمكتب التنفيذي الوطني ونقابيين قدموا من مختلف الجهات، معتبراً أن هذا التفاعل يعكس أهمية توسيع الحوار حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة، خاصة في ظل التحديات التي تواجه المالية العمومية والانتظارات الاجتماعية المتزايدة.

* منجي السماعلي : تواصل الخيارات التقشفية والضغط على الطبقة الوسطى
وفي تصريح لـ”الشعب نيوز”، أكد الأستاذ منجي السماعلي أن مشروع قانون المالية لسنة 2027، رغم ما يرفعه من شعارات كبرى وأهداف معلنة، لا يختلف في جوهره عن قوانين المالية للسنوات السابقة، بإعتباره يواصل نفس التمشي المحاسباتي والخيارات التقشفية التي تُحمّل أساساً الطبقات المتوسطة والأجراء كلفة التوازنات المالية.
وأوضح السماعلي أن الإشكال لا يكمن في العناوين العامة أو الشعارات المعلنة، بل في طبيعة الإجراءات العملية التي ستُطلب من الوزارات والمؤسسات العمومية لتنفيذ تلك التوجهات، معتبراً أن القراءة الأولية للمشروع تكشف وجود “تقشف مبطن” ينعكس خاصة على ميزانية التسيير وعلى الحقوق المهنية والاجتماعية للأجراء.
وأشار في هذا السياق إلى ما اعتبره تقليصاً في آفاق الترقية المهنية، من خلال تسقيف نسب الترقية في حدود 40 بالمائة، وهو ما من شأنه، وفق تقديره، أن يحرم عدداً هاماً من الأعوان من حقهم الطبيعي في التدرج الوظيفي، معتبراً أن هذا الإجراء يفتقر إلى العدالة تجاه الأجراء.
كما اعتبر أن مشروع قانون المالية يواصل الضغط على الفئات الوسطى، بوصفها الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر للسياسات الجبائية وخيارات التقشف، دون تقديم بدائل اقتصادية واجتماعية أكثر توازناً وإنصافاً.
وشدد السماعلي على أن غياب الحوار الاجتماعي الحقيقي يجعل هذه الرؤية “أحادية الجانب”، مؤكداً أن إشراك الاتحاد العام التونسي للشغل وبقية الأطراف الاجتماعية عبر التفاوض، وخاصة في إطار المجلس الوطني للحوار الاجتماعي، من شأنه أن يساهم في بناء خيارات أكثر توافقاً وقدرة على تحمّل الصعوبات بشكل جماعي وتشاركي.
وختم بالتأكيد على أن الإصلاحات مهما كانت صعوبتها يمكن أن تحظى بقبول أوسع إذا كانت ثمرة حوار فعلي واتفاق مشترك بين مختلف الأطراف الوطنية والاجتماعية.

* كريم الطرابلسي : الخطاب الاجتماعي لا ينسجم مع الإجراءات المقترحة
ومن جهته، أكد الأستاذ كريم الطرابلسي، في تصريح لـ”الشعب نيوز”، أن المائدة المستديرة التي نظمها الاتحاد العام التونسي للشغل حول توجهات قانون المالية لسنة 2027 جاءت على إثر صدور منشور رئاسة الحكومة المتعلق بإعداد مشروع الميزانية، معتبراً أن هذا اللقاء يندرج ضمن عمل دوري ومتواصل دأب عليه قسم الدراسات والتوثيق منذ سنوات من خلال تقديم مقترحات وتصورات بديلة حول قوانين المالية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح الطرابلسي أن الاتحاد استغل هذه المناسبة لإعادة طرح جملة من الإصلاحات الكبرى التي ظل يدعو إليها منذ سنوات، والتي غابت، وفق تقديره، عن قوانين المالية المتعاقبة، مشيراً إلى أن تلك القوانين اتسمت أساساً بطابع “محاسباتي صرف” في ظل غياب رؤية تنموية شاملة وإصلاحات هيكلية حقيقية.
وأضاف أن من أبرز الملفات التي يجدد الاتحاد طرحها في إطار إعداد ميزانية 2027: إصلاح الضريبة على الدخل، وإصلاح منظومة الدعم، ومعالجة أوضاع المؤسسات العمومية، إلى جانب التأكيد على ضرورة احترام الحوار الاجتماعي وإشراك المنظمات الوطنية في صياغة الخيارات الاقتصادية الكبرى.
وشدد الطرابلسي على أن الوثيقة الصادرة عن رئاسة الحكومة لا تمثل بعد مشروع قانون المالية في صيغته النهائية، بل هي منشور توجيهي موجّه إلى مختلف الهياكل العمومية لضبط تقديرات النفقات، غير أنها تكشف في الآن ذاته عن التوجهات العامة للحكومة بشكل ضمني.
واعتبر أن هذه التوجهات لا تختلف كثيراً عن الخيارات السابقة، خاصة من حيث اعتماد مقاربة تقشفية تتجلى، وفق قوله، في الضغط على نفقات التسيير وفي الحد من الترقية المهنية، مشيراً إلى أن نحو 60 بالمائة من الموظفين قد يُحرمون من حقهم في الترقية بسبب السقف المقترح.
وفي المقابل، دعا الطرابلسي إلى التفكير في إصلاحات إدارية وهيكلية أعمق وأكثر نجاعة بدل الاقتصار على التقليص المباشر للنفقات، مبرزاً أن الدولة قادرة، على سبيل المثال، على تخفيض مصاريف التسيير عبر الرقمنة وترشيد استهلاك الطاقة داخل الإدارات العمومية، بما ينسجم أيضاً مع أهداف الانتقال الطاقي.
وختم بالتأكيد على وجود مفارقة بين الخطاب الرسمي الذي يرفع شعار “الدولة الاجتماعية” وبين الإجراءات العملية المقترحة، معتبراً أن العديد من التدابير الواردة في المنشور تتناقض في مضمونها مع هذا الشعار وتواصل نفس السياسات التقشفية المعتمدة خلال السنوات الماضية.

