في خضمّ موجة من التوترات الاجتماعية التي تشهدها عدة قطاعات في تونس، اختارت وزارة الشؤون الاجتماعية أن تضع ملف الوساطة في نزاعات الشغل في واجهة اهتمامها من خلال تنظيم ورشة عمل حول آليات الوساطة وتدعيم مقومات العمل اللائق.
ورغم أهمية هذا التوجه من حيث المبدأ، فإن القراءة النقابية لهذا الحدث تفرض طرح أسئلة جوهرية تتجاوز الشعارات والعناوين المعلنة.
لا يختلف اثنان حول أهمية الوساطة كآلية حضارية لتسوية النزاعات وتجنب الاحتقان داخل المؤسسات.
كما أن الدور الذي يضطلع به متفقدو الشغل في تقريب وجهات النظر وحماية السلم الاجتماعية يبقى محل تقدير من مختلف الأطراف.
لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب آليات الوساطة بقدر ما يكمن في تنامي الأسباب التي تفرز النزاعات الاجتماعية أصلاً.
فحين تتعطل المفاوضات الاجتماعية، وتتراكم المطالب المهنية، وتتسع الهوة بين القدرة الشرائية للأجراء ومستوى الأسعار، يصبح الحديث عن الوساطة أقرب إلى معالجة نتائج الأزمة بدل البحث في أسبابها الحقيقية.
فالوسيط لا يستطيع أن يعوض غياب الحوار الاجتماعي، كما أن متفقد الشغل لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن المفاوضات الجدية والمسؤولة بين الشركاء الاجتماعيين.
ومن اللافت أن الورشة أكدت على ضرورة تطوير آليات الوساطة في إطار مراجعة مجلة الشغل. غير أن المقاربة النقابية تقتضي التأكيد على أن أي مراجعة للتشريعات الاجتماعية يجب أن تنطلق من تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأجراء، ومن تدعيم آليات التفاوض الجماعي، لا من البحث عن صيغ جديدة لإدارة النزاعات بعد اندلاعها.
والأخطر من ذلك أن النقاشات نفسها كشفت عن نقص فادح في الموارد البشرية داخل سلك تفقدية الشغل. وهو اعتراف ضمني بأن الدولة تدرك حجم الأزمة التي يعيشها هذا القطاع. فكيف يمكن الحديث عن تطوير الوساطة وتوسيع مجالات تدخلها في وقت تعاني فيه التفقديات من نقص الإطارات والإمكانيات والوسائل اللوجستية؟ إن نجاح أي إصلاح يمر أولاً عبر توفير الموارد الضرورية للقائمين على تطبيقه.
ومن زاوية نقابية، يظل السؤال المركزي مطروحاً: لماذا يتم التركيز على الوساطة في الوقت الذي يشهد فيه الحوار الاجتماعي حالة من التعثر في أكثر من ملف وقطاع؟ فالسلم الاجتماعية لا تُبنى فقط بمهارة الوسطاء، بل تُبنى أساساً بالاعتراف المتبادل بين الأطراف الاجتماعية، واحترام الاتفاقيات المبرمة، والاستجابة للمطالب المشروعة للعمال، وفتح قنوات تفاوض جدية ودورية.
إن الدفاع عن العمل اللائق لا يقتصر على تطوير تقنيات إدارة النزاع، بل يبدأ من ضمان الأجور العادلة، وتحسين ظروف العمل، واحترام الحقوق النقابية، وتكريس التفاوض الجماعي كخيار استراتيجي لا كإجراء ظرفي.
أما الوساطة، مهما بلغت نجاعتها، فإنها تبقى آلية مساندة لا يمكن أن تحل محل الحوار الاجتماعي الحقيقي.
لذلك فإن الرهان اليوم ليس فقط في إحداث آليات جديدة للوساطة، بل في إعادة الاعتبار للحوار الاجتماعي باعتباره الضمانة الأساسية للاستقرار داخل المؤسسات والبلاد.
فالنزاعات الاجتماعية ليست مرضاً في حد ذاتها، بل هي في كثير من الأحيان عرض لأزمة أعمق تتطلب معالجة جذورها الاقتصادية والاجتماعية قبل البحث عن أدوات احتوائها.
هذا المقال يتبنى رؤية نقابية واضحة: الوساطة مهمة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحوار الاجتماعي والتفاوض الجماعي واحترام الحقوق المهنية والنقابية.
