الشعب نيوز / ناجح مبارك – اختتمت مؤخرا الدورة الحادية عشرة للمهرجان الدولي لفنون الفرجة الذي أسسه ويديره الناشط الثقافي محمد العماري الذي يسعى منذ سنوات تأسيس فعل مسرحي جاد في منطقة بوحجلة التي تعد من أكبر المعتمديات التونسية مساحة ومن حيث عدد السكان أيضا. .كيف كانت الدورة الأخيرة واي ٱفاق لهذا المهرجان العماري تحدث ل” الشعب نيوز “:
ماهو تقييمك للدورة الحادية عشرة من المهرجان ؟
أعتبر أن الدورة الحادية عشرة كانت من أنضج دورات المهرجان منذ تأسيسه، ليس فقط على مستوى البرمجة، وإنما أيضًا على مستوى الفكرة والرؤية. لقد نجحنا في تقديم برنامج متوازن جمع بين العروض المسرحية والموسيقية، والماستر كلاس، والندوات الفكرية، وعروض الأطفال، وهو ما يعكس فلسفة المهرجان القائمة على اعتبار فنون الفرجة فضاءً للحلم والحوار، لا مجرد فضاء للعرض.
كما نجحت هذه الدورة في استقطاب جمهور متنوع، وخاصة الشباب والعائلات، وهو ما يؤكد أن الجمهور في الجهات متعطش إلى الثقافة متى توفرت له برمجة جادة ومحترمة.
ومن أهم مكاسب هذه الدورة أنها عززت مكانة المهرجان كموعد ثقافي وطني، وأثبتت أن مدينة مثل بوحجلة قادرة، رغم محدودية الإمكانيات، على احتضان أسماء كبيرة وفتح نقاشات فكرية وجمالية راقية. وبطبيعة الحال، لا ندعي الكمال، فكل دورة تكشف لنا نقاط قوة ونقاطًا تحتاج إلى مزيد من التطوير، لكننا نعتبر أن هذه الدورة شكلت خطوة جديدة في ترسيخ هوية المهرجان ومشروعه الثقافي.

*ما هو دور وزارة الشؤون الثقافية، سواء على المستوى الجهوي أو المركزي، من خلال دعم المهرجان؟
لا بد أولًا من توجيه الشكر إلى وزارة الشؤون الثقافية، سواء عبر الإدارة المركزية “المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية” أو المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بالقيروان، على دعمها للمهرجان ومواكبتها له. فهذا الدعم يمثل عنصرًا أساسيًا في ضمان استمرارية هذه التظاهرة.
لكن في المقابل، نعتقد أن المهرجان، بعد إحدى عشرة دورة، أصبح مشروعًا ثقافيًا أثبت جدارته واستمراريته، وهو ما يدفعنا إلى الأمل في أن يحظى مستقبلًا بدعم أكبر، ليس فقط من الناحية المالية، وإنما أيضًا من خلال مرافقة ثقافية ولوجستية وإعلامية تواكب تطوره.
وماذا عن دعم الجمعيات والقطاع الخاص؟
طموحنا أن يتحول المهرجان إلى موعد ثقافي مرجعي في الوسط التونسي، وأن يكون نموذجًا للمهرجانات التي تشتغل على الجودة الفكرية والفنية، وهذا يتطلب شراكة أوسع بين المجتمع المدني والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص، لأن الثقافة مسؤولية جماعية وليست مسؤولية جهة واحدة.
ما هو رأيك في التظاهرات الثقافية في الجهات؟ وكيف أثر غياب دار الثقافة ببوحجلة على فقرات المهرجان؟
أنا مؤمن بأن مستقبل الثقافة في تونس لا يمكن أن يبقى مرتبطًا فقط بالعاصمة أو بالمدن الكبرى. الجهات تزخر بالمواهب والجمهور والطاقات، لكنها تحتاج إلى فضاءات وإمكانيات تتيح لها التعبير عن نفسها.
وقد أثبتت التجارب أن التظاهرات الثقافية في الجهات ليست بديلًا عن المركز، بل هي ضرورة لتحقيق العدالة الثقافية، وإتاحة الفرصة للمواطن أينما كان للقاء الفن والفكر والإبداع.
أما بالنسبة إلى بوحجلة، فإن غياب دار الثقافة شكّل ولا يزال أحد أبرز التحديات أمام العمل الثقافي. فقد اضطررنا خلال هذه الدورة إلى توزيع الأنشطة بين عدة فضاءات، وهو ما تطلب جهدًا تنظيميًا ولوجستيًا كبيرًا.
ورغم ذلك، حاولنا تحويل هذا التحدي إلى فرصة، من خلال الانفتاح على الفضاءات العمومية، مثل المنتزه العائلي، وجعل الثقافة أكثر قربًا من المواطنين. ومع ذلك، يبقى من حق بوحجلة أن تمتلك دار ثقافة عصرية تليق بتاريخها وحركيتها الثقافية، وتكون فضاءً يحتضن الأنشطة على امتداد السنة، لا خلال أيام المهرجان فقط.
حسب رأيك، ما هي الإضافة التي قدمها الفاضل الجعايبي في الدورات الأربع التي كان حاضرًا فيها؟
أعتقد أن أكبر إضافة قدمها الفاضل الجعايبي هي أنه آمن بالمهرجان وآمن ببوحجلة. ففي وقت قد يتردد فيه بعض الأسماء الكبيرة في المشاركة في تظاهرات تقام خارج المسالك الثقافية التقليدية، اختار الجعايبي أن يكون حاضرًا، وأن يضع خبرته ومسيرته في خدمة مشروع ثقافي ناشئ.
على امتداد أربع دورات، لم يكن حضوره بروتوكوليًا، بل كان حضورًا فعليًا وفاعلًا. فقد شارك في اللقاءات الفكرية، وفتح أبواب الحوار مع الشباب، وتقاسم تجربته بكل تواضع، وشجع المبادرات الثقافية المحلية، وكان دائمًا يبعث برسالة مفادها أن الثقافة تبدأ بالإيمان بالإنسان وبقدرته على الحلم.
وخلال هذه الدورة، قدّم ماستر كلاس ثريًا حول «أهمية الصورة في المسرح والسينما: من قفصة إلى فاميليا»، كما ساهم في إثراء المكتبة العمومية ببوحجلة بإهداء مجموعة من الكتب التي توثق لمسيرته ومسيرة رفيقة دربه جليلة بكار، إلى جانب نسخ من مسرحية «آخر البحر»، في مبادرة تؤكد أن الثقافة ليست فقط عرضًا يُشاهد، بل هي أيضًا معرفة تُقرأ وذاكرة تُحفظ.
في تقديري، ترك الفاضل الجعايبي في بوحجلة أثرًا يتجاوز حضوره الشخصي؛ فقد ساهم في رفع سقف الطموح لدى شباب المدينة، ورسخ فكرة أن المهرجان يمكن أن يكون فضاءً للتكوين والحوار وبناء المشاريع الثقافية، وليس مجرد موعد احتفالي عابر.

