الشعب نيوز / خليفة شوشان – طالما مثّلت جنائز ومراسم تشييع القادة والزعماء السياسيين والدينيين والعسكريين في جميع الحضارات والثقافات وباختلاف عقائدها ودياناتها وايديولوجياتها أكثر من مجرد تقاليد اجتماعيّة أو طقوس دينيّة لتكريمهم وللتنفيس عن مشاعر الحزن والفقد وللتعبير لهم بالمديح وذكر المناقب وبالرثاء عن الوفاء والتقدير والاحترام لما قدموه لأوطانهم وشعوبهم.

من طقوس دينيّة إلى معارك سياسيّة
لقد تحوّلت الجنائز من مجرد طقوس دينيّة وعادات وتقاليد اجتماعيّة متوارثة تستدعيها لحظة الموت، الى محطّة سياسيّة مركبة، متنوّعة المراسم ومتعدّدة الرسائل، تتكثّف فيها الأبعاد والرمزيات السياسيّة وراء بروتوكولات التنظيم الرسميّة الصارمة والقدرة على التحشيد وتعبئة الجماهير وحجم التمثيليات الديبلوماسيّة الدوليّة المشاركة في توديع القادة والزعماء الراحلين، الذين تختزل فيهم المراسم الرسمية والمشاركة الشعبية وحدة الدولة وتماسكها والاعتراف الدولي بها.
ليتحوّل الموت بذلك إلى ما يشبه الاستفتاء الشعبي الداخلي والاعتراف الدولي الخارجي الذي لا يقبل التشكيك. استفتاء يتجاوز القائد والزعيم الفقيد ليفيض على حاضنته السياسية والحزبيّة والدينيّة والطائفيّة والاجتماعيّة أو هكذا يُراد له أن يكون.
ومع سطوة الصورة والمشهديّة وسرعة انتقالها وانتشارها وتأثيرها واستقطابها لأكثر ما يمكن من الجماهير عبر وسائل الإعلام التقليدية أو من خلال شبكات التواصل الاجتماعي بكل محاملها، اتخذت الجنائز طابعا أكثر رسميّة وأبعاد أكثر مشهديّة وتخلت عن طابعها الشعبي العفوي.
صارت لهذه الجنائز أهداف توضع وخططا تعدّ ولجان تنظيم تشرف ورسائل ظاهرة وخفيّة توجّه للداخل والخارج، تبدأ بإظهار الوحدة الداخلية للأوطان وتنتهي بإقناع الشعوب بأهميّة التضحية من أجل الأوطان، وتحذير الخصوم والأعداء من قدرة مؤسسات الدولة على ضمان التماسك الداخلي رغم كل التحديات التي تواجهها.
الجنائز الأكبر في التاريخ الحديث
يحتفظ التاريخ السياسي الحديث بسِجِلّ لأضخم الجنائز لقادة وزعماء سياسيين ودينيين غربا وشرقا تحولوا إلى رموز وأيقونات لشعوبهم، ومثّل تشييع جثامينهم بمسيرات مليونيّة فرصة لتجديد الولاء لأوطانهم. ومن أبرزها جنازة السياسي والأديب الهندي «كانجيفارام ناتاراجان أنادوراي» الذي توفي سنة 1969، وأقيمت له أكبر مراسم تشييع قدّر فيها عدد المشيعين بنحو 15 مليون شخص.
وفي أكتوبر 1970 وصفت صحيفة «الجارديان» البريطانية جنازة الزعيم العربي المصري جمال عبد الناصر بأنها «الأكثر إثارة في العصر الحديث»، وتحدثت التقديرات أن عدد المشاركين فيها قدر بنحو 7 ملايين مشيع، إلى جانب الملايين الذين خرجوا في مختلف العواصم العربية.
وذكرت الصحيفة أن جنازته حضرها 30 رئيس دولة ومائة وفد رسمي من رؤساء وزراء ووزراء الخارجية، إلى جانب زعماء الأحزاب وحركات التحرير الوطني في العالم.
أما جنازة المرشد الاعلى الإيراني «آية الله الخميني» المتوفي سنة 1989 فقد سجلت حسب التقديرات مشاركة أكثر من 10 ملايين مشيّع في العاصمة طهران.
كما سجلت جنازة بابا الفاتيكان «يوحنا بولس الثاني» سنة 2005 مشاركة نحو 4 ملايين شخص، وحضر مراسم تشييعه 4 ملوك و5 ملكات، وما لا يقلّ عن 70 رئيس جمهورية ورئيس وزراء.
مراسم لترميز الموتى وتجديد وحدة الأحياء
يحدث أن تتحوّل جنائز القادة والزعماء إلى إحدى المعارك الوطنية المفصليّة لإثبات القوّة وتثبيت الصمود، عندما تمرّ الدول بمحن صعبة وخاصة الحروب والاعتداءات الخارجيّة وما قد تسببه من أزمات وتصدّعات داخليّة. فتكون هذه المراسم عبارة عن إحياء وبعث للروح الوطنية واستعادة للوحدة الداخليّة ونبذ الفرقة والانقسامات وتعبئة الشعوب نحو الأهداف الوطنيّة، وهو السياق الذي يجعل من الحالتين المصريّة إثر وفاة الزعيم العربي جمال عبد الناصر أثناء حرب الاستنزاف مع العدوّ الصهيوني المدعوم أوروبيا وخلال الاستعداد لمعركة تحرير أراضيها المحتلّة، ومن الحالة الإيرانيّة التي تواجه فيها عدوانا أمريكيا صهيونيّا شكّل اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية وقائدها علي خامنئي أحد طعناته الموجعة والتحدي الأكبر الذي واجه مؤسسات الجمهورية وقدرتها على التماسك والصمود. وهو ما جعل من مراسم التشييع المليونيّة في كلا الحالتين يتخذ أبعادا سياسية واضحة في إطار تعزيز الصمود الاستراتيجي والتأكيد على الجهوزيّة الوطنيّة لمواصلة الصمود في وجه العدوان ومشروع الشرق الأوسط القديم المتراجع والجديد المترنح.
الملايين تشيّع ناصر وخامنئي
من مليونيّة تشييع جثمان الزعيم القومي العربي المصري جمال عبد الناصر يوم 28 سبتمبر 1970، إلى مليونيّة تشييع جثمان المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانيّة وزعيم ثورتها علي خامنئي التي انطلقت يوم 04 جويلية 2026 وتستمرّ حتّى التاسع منه. بين زمنين وتجربتين مرّت ستّة عقود، غيّر فيه الشرق الاوسط» رايات مقاومته من عنفوان القوميّة «العربيّة وساحاتها المناضلة وصمودها في وجه الامبرياليّة الأوروبية والصهيونيّة لكسر شوكة الاستعمار وإسقاط أعوانه في المنطقة، إلى أوج ثبات الثورة الإسلاميّة الإيرانية ووقوفها المشرّف في المنازلة الكبرى ضدّ الامبريالية الأمريكيّة الصهيونيّة وإذلال أعوانها وهزيمة مشروع الشرق الأوسط الجديد.

الشعوب لا تنسى زعماءها الحقيقيين
أكثر من خمسة عقود تفصل بين الحدثين والمشهدين والمنازلتين، لكنّ العبرة واحدة أن الشعوب بقيت على عهدها وفيّة، لا تخطئ زعماءها الحقيقيين مهما شوّههم الأوغاد والحاقدون وماكينات الدعاية الاستعماريّة والصهيونيّة والرجعيّات العربيّة وحلفاؤها من مجاميع اليمين الطائفي الذي امتهن زرع الفتن ونشر ثقافة الهزيمة والاستسلام. الشعوب لا تنسى قادتها وزعماءها الذين قدّموا كلّ ما يملكون دون ادعاء ولا حسابات، وقرنوا القول بالفعل. والذين نذروا أرواحهم دفاعا عنها وعن أوطانهم مهما كان نصيبهم من الصواب والخطأ أو من التوفيق والفشل، فقد فعلوا ذلك بعزيمة لا تلين وبإرادة صادقة.
الشعوب وحدها تعرف كيف تكرّم قادتها الصادقين وتخلّدهم في الذاكرة الوطنيّة وفي الضمير الجمعي علامات تهتدي وتأتمّ بها الأجيال بعد رحيلهم كلّما ارتبكت بوصلتهم وحادت قياداتها. تخرج الشعوب في استفتاء لا يقبل الطعن والتشكيك لوداعهم مدفوعة بنداء الواجب والضمير لا طمعا ولا خوفا، فمن يطمع فيه أو يُخاف منه لم يعد يملك لها نفعا ولا ضررا، بل تخرج لوجه الله والتاريخ وحبّا في أوطانها لتشهد ارتقاء قادتها من الزعامة إلى الرمزيّة شهداء مخلّدين في عليّين وفي ضمائر شعوبهم، ليقفوا أحياء عند ربّهم يرزقون.

