أثار البيان الأخير الصادر عن تنسيقية نقابات مسدي الخدمات الصحية مخاوف مشروعة بشأن مستقبل العلاقة مع الصندوق الوطني للتأمين على المرض، وما قد يترتب عن تفاقم الأزمة من انعكاسات على حق المواطن في العلاج. غير أن القراءة القانونية الرصينة لهذا التطور تفرض علينا الابتعاد عن منطق توزيع الاتهامات، والاقتراب أكثر من جوهر الإشكال: إنقاذ الكنام أصبح ضرورة وطنية ودستورية.
فالكنام ليست مجرد مؤسسة عمومية تتولى خلاص فواتير العلاج، وإنما هي الحلقة الأساسية التي تقوم عليها منظومة التأمين على المرض، وهي الأداة التي تجسد مبدأ التضامن بين الأجيال والفئات الاجتماعية. لذلك، فإن إضعافها أو تركها تواجه اختلالاتها المالية والإدارية دون إصلاح، لا يهدد المؤسسة في حد ذاتها، وإنما يهدد منظومة الحماية الاجتماعية بأكملها.
إن الأزمة الحالية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مواجهة بين الكنام ومسدي الخدمات الصحية، لأن الطرفين يؤديان وظيفة واحدة هي ضمان حق المواطن في العلاج. فالمصحات، والأطباء، والصيادلة، والمخابر، ومختلف المتدخلين لا يستطيعون الاستمرار دون وفاء الصندوق بالتزاماته، كما أن الصندوق لا يستطيع أداء مهامه دون شبكة قوية من مسدي الخدمات. إنها علاقة تكامل وليست علاقة خصومة.
ومن الناحية القانونية، فإن الدولة ملزمة بضمان استمرارية المرافق العمومية ذات الصبغة الاجتماعية، كما أنها مسؤولة عن توفير الموارد الكفيلة بحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وعندما تصبح الصعوبات المالية عائقًا أمام تنفيذ هذه الالتزامات، فإن العلاج لا يكون بإلقاء المسؤولية على هذا الطرف أو ذاك، وإنما بإصلاح أسباب الاختلال نفسها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحلول الظرفية، مهما كانت أهميتها، لا تؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة. أما اليوم، فقد أصبح واضحًا أن الكنام تحتاج إلى خطة إنقاذ وطنية، تتجاوز معالجة الديون المتراكمة إلى إعادة بناء التوازن المالي للمنظومة، وتنويع مصادر تمويلها، وتعزيز استخلاص المساهمات، ومقاومة التهرب الاجتماعي، وإرساء حوكمة أكثر نجاعة وشفافية.
إن بيان تنسيقية مسدي الخدمات الصحية لا ينبغي أن يُفهم على أنه إعلان قطيعة مع الكنام، بل يجب أن يُقرأ كدعوة صريحة إلى إنقاذها. فاستمرار الصندوق هو الضامن الوحيد لاستمرار منظومة الطرف الدافع، وهو الشرط الأساسي حتى لا يتحول العلاج إلى عبء مالي مباشر على آلاف المواطنين.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس الدفاع عن مؤسسة في مواجهة شركائها، ولا الدفاع عن الشركاء في مواجهة المؤسسة، وإنما الدفاع عن المنظومة برمتها. فالكنام ومسدو الخدمات الصحية ليسوا خصمين، بل شركاء في تنفيذ مرفق عام ذي وظيفة اجتماعية ودستورية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الأزمة إلى فقدان للثقة بين مختلف مكونات المنظومة. وعندها لن تكون الخسارة محصورة في ميزانية الصندوق أو في مستحقات مسدي الخدمات، بل ستطال المواطن أولًا، لأنه سيكون أول من يدفع ثمن تعطل منظومة التأمين على المرض.
إن إنقاذ الكنام ليس خيارًا إداريًا، بل هو استحقاق قانوني ووطني. فكل دينار يُستثمر في استعادة توازنها هو استثمار في الأمن الصحي، وفي السلم الاجتماعي، وفي مصداقية الدولة كضامن للحقوق والحريات الاجتماعية.
فالكنام ليست المشكلة… بل هي جزء أساسي من الحل. وحمايتها، إلى جانب حماية حقوق مسدي الخدمات الصحية، هي السبيل الوحيد للحفاظ على حق التونسيين في العلاج وعلى استدامة الدولة الاجتماعية.
