الشعب نيوز / نصر الدين ساسي – لم يعد تواصل اضطرابات التزود بالماء الصالح للشرب والكهرباء في عدد من مناطق البلاد، وفق قسم الدواوين والمنشآت العمومية بالاتحاد العام التونسي للشغل، مجرد انعكاس لموجة الحر أو لارتفاع الاستهلاك خلال فصل الصيف، بل أصبح مؤشرا على أزمة هيكلية عميقة تعيشها المرافق العمومية، تستوجب مراجعة شاملة للسياسات المعتمدة في إدارة القطاعات الاستراتيجية.
وفي بيان حمل عنوان “لا تُبنى الأوطان بالعطش والظلام”، اعتبر القسم أن تونس تمر بإحدى أكثر المراحل حساسية في تاريخ مرافقها العمومية، بعد أن تحولت الانقطاعات المتكررة للماء والكهرباء إلى مشهد يومي يثقل كاهل المواطنين، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة الدولة على ضمان أحد أهم أدوارها الأساسية، والمتمثل في تأمين الخدمات العمومية وصيانة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ورأى البيان أن ما يعيشه المواطن اليوم لا يمكن تفسيره بعوامل ظرفية فقط، إذ أصبح التونسي، بحسب القسم، يدفع ثمن خيارات وسياسات لم يكن شريكا في صياغتها، من خلال معاناته مع العطش في ذروة الصيف، والانقطاعات المتكررة للكهرباء، وما يترتب عنها من أضرار تمس الحياة اليومية، والصحة، والتعليم، والنشاط الاقتصادي.
وأشار قسم الدواوين والمنشآت العمومية إلى أن اختزال الأزمة في الضغط الموسمي أو ارتفاع الطلب لا يعكس حقيقة ما يجري، معتبرا أن الوضع الحالي هو نتيجة تراكمات امتدت لسنوات، شملت تأجيل الإصلاحات الكبرى، وتراجع الاستثمار العمومي، وتقادم شبكات الإنتاج والتوزيع، وتعطل مشاريع استراتيجية، إلى جانب ضعف الحوكمة وعدم مواكبة التحولات المناخية والديموغرافية والاقتصادية التي شهدتها البلاد.
وأكد البيان أن هذه العوامل مجتمعة أضعفت قدرة المؤسسات العمومية على الاستجابة للطلب المتزايد، وجعلت المرفق العمومي يعمل في ظروف صعبة، لا تتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه، وهو ما يفسر تكرر الاضطرابات واتساع رقعتها في أكثر من جهة.
ولفت القسم إلى أن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط جودة الخدمات، بل يمس أحد أسس العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها، باعتبار أن توفير الماء والكهرباء يمثل حقا أساسيا، وليس خدمة ظرفية يمكن القبول بتعطلها كلما ارتفع الاستهلاك أو اشتدت درجات الحرارة.
كما اعتبر أن الأزمة الحالية تستوجب انتقالا من منطق معالجة الأعطاب اليومية إلى مقاربة استراتيجية تعالج جذور المشكلة، وتعيد الاعتبار للاستثمار العمومي والتخطيط طويل المدى، بما يضمن استدامة المرافق الحيوية وقدرتها على مجابهة التحديات المستقبلية.
ويخلص البيان إلى أن ما تشهده تونس اليوم لم يعد مجرد أزمة مناخية أو تقنية، بل أصبح إنذارا وطنيا يكشف هشاشة قطاعات حيوية ترتبط مباشرة بالأمن المائي والطاقي، ويفرض، وفق القسم، مراجعة شاملة لأولويات الدولة في إدارة المرافق العمومية، بإعتبارها إحدى ركائز الاستقرار والتنمية والسيادة الوطنية.

