استأثر موضوع قضاء الضمان الاجتماعي، ودور هذه المؤسسة أو هذه الخطة، باهتمام الرأي العام من خلال ما يتم تداوله سواء عبر وسائل الإعلام أو فضاءات التواصل الاجتماعي، خاصة في علاقة بتحمل مصاريف العلاج المزمنة والثقيلة والمكلفة، التي يتحمل الصندوق الوطني للتأمين على المرض العبء الأكبر من نفقاتها.
أصبح المواطن، أو المضمون الاجتماعي، يلجأ إلى التقاضي لنقض قرارات إدارية تتعلق برفض تحمّل مصاريف العلاج، أو بالتأخر في مراجعة جراية تقاعد، أو بامتناع المؤجر عن دفع المساهمات الاجتماعية.
كيف تسلل هذا المسار النزاعي والقضائي إلى ثقافة الشعب التونسي؟ وما هي مدلولات اللجوء إلى قضاء مختص للحصول على منافع تعد، في أصلها، من الحقوق الأساسية؟
لقد تم إحداث آلية خاصة للتقاضي وفق إجراءات ميسرة، مع إضفاء الصبغة الاستعجالية على الدعاوى والأحكام وسبل تنفيذها. وقد تعلقت جل القضايا المرفوعة مباشرة لدى هيئات قاضي الضمان الاجتماعي بمجالي مراجعة الجرايات والخدمات في القطاع العمومي.

ومنذ خمس سنوات تقريبًا، لاحظنا تحولًا نوعيًا في مواضيع التقاضي، التي أصبحت تتعلق بشكل مباشر بالمرفق العمومي في مجال الصحة والعلاج، وخاصة فيما يتعلق بتحمل مصاريف التداوي من الأمراض المزمنة والمهنية، أو كذلك نفقات العلاج التي تحددها نسب استرجاع المصاريف مقارنة بالتعريفات والقائمات المرجعية المعتمدة.
التونسي اليوم مهووس بحقه في العلاج، وتسكنه هواجس متعددة تتعلق بضمان صرف الجرايات، ومدى توفر الأدوية، إلى جانب آجال إسداء الخدمات الصحية، ومدى توفر المعلومات الرسمية والدقيقة بخصوص مسارات التظلم ورفع العرائض والشكاوى.
وأمام طول مدة استرجاع مصاريف التداوي والعلاج، يلجأ التونسي إلى مختلف وسائل الاتصال، ثم إلى قرارات لجان النقض والمراجعة، ويتجه أخيرًا إلى القضاء وما يتبعه من إجراءات تنفيذ.
آلاف القضايا مرفوعة خارج مسار التواصل الطبيعي مع الإدارة، وأجهزة قضائية وأجسام مهنية تتذمر بدورها من غياب إجراءات ومسالك قانونية أكثر وضوحًا، بما يجعل من مؤشرات الشكاوى والعرائض والنزاعات إحدى أخطر المؤشرات الدالة على مدى تراجع أداء المرفق العمومي.
الإصلاح الهيكلي ضرورة ملحة
منذ بعث مؤسسة التأمين على المرض وإحداث قضاء الضمان الاجتماعي، لم نجمع يومًا على تقييم هذه التجربة أو تقويمها ومراجعتها. فما تزال المسالك وعرة، والتشريعات متراكبة، والإجراءات معقدة، وهو ما يستوجب التبسيط والمراجعة ورقمنة الخدمات، إلى جانب توحيد المرجعيات القانونية وتحيينها وملاءمتها مع المعايير الدولية وأحكام الدستور، بما ينسجم مع أهداف التغطية الاجتماعية الشاملة.
ليست تونس بلدا يضم عشرات الملايين من النشيطين وأصحاب الجرايات، ومع ذلك حملتنا رياح التشكي والتذمر، في ظل غياب مواصفات واضحة لجودة الخدمات المسداة، وأمام وفرة الحديث مقابل ضعف المبادرة والإنجاز، بما بث الريبة ونزع المصداقية.
التوجه الحالي يقوم، في جانب منه، على نكران الواقع، والخروج عن سياق الحوار الاجتماعي، واعتماد خطاب المواربة، وهو خطاب لم يعد قادرًا، منذ أكثر من سنتين، على المبادرة بمشاريع إصلاح حقيقية تستجيب لحجم الأزمة.
إننا أمام منزلق مالي ومحاسبي تراكمي، ومصدر لتداعيات فاقت كل الاحتمالات والتوقعات. ومع ذلك، تبقى المعادلة ممكنة، ويظل الإصلاح الهيكلي ضرورة ملحة، وليس خيارًا ولا ترفًا سياسيًا.
مقياس الاستقرار المجتمعي
يكفي أن نقتنع بأن الضمان الاجتماعي حق أساسي، وهو في الوقت ذاته المؤشر الرئيسي للنمو، ومقياس الاستقرار المجتمعي، وصمام الأمان في مواجهة الهزات الاجتماعية، في زمن تتصاعد فيه الشعبوية والنزعات التسلطية.
ولمن يهمه الأمر، فإن خدمات الضمان الاجتماعي، أو الحماية الاجتماعية بصفة عامة، تعد من أهم مقومات النمو المندمج والترقية الاجتماعية، بالتوازي مع خدمات التحويلات الاجتماعية ضمن مخططات تنموية حقيقية، لا مخططات محنطة.
إن هذه المواضيع متناسقة في مسارها الفكري والسياسي، ولا يمكن تفكيك رمزيتها خارج نسق التخطيط التشاركي، ودور النخب، ومكونات المجتمع المدني، الذي يبدو اليوم مستلبًا نحو أولويات أخرى لا تساهم في تنمية الوعي المواطني، ولا في تحرير الإرادة الوطنية في أفق منفتح، وطنيًا ودوليًا، بعيدًا عن كل انغلاق.
وخلاصة القول، إن وعينا، في جانب كبير منه، ما يزال وعيًا معكوسًا، ويستوجب إصلاحات إبستمولوجية وبراغماتية تقطع مع الطوباوية، إلا في مجالي الشعر والفن، وتؤسس لمشروع سياسي ومجتمعي يقوم على التحدي الممكن والقابل للتحقيق، في إطار عقد اجتماعي جديد، وبرنامج أهداف واضح، وخطة تشاركية تعيد للشباب موقع الإرادة والفعل، بعد أن أثبتت النخب التقليدية عجزها وتكلسها وخروجها عن حركة التاريخ.
خيار سياسي ومجتمعي وحضاري
ومن الحديث عن قضاء الضمان الاجتماعي، الذي يتطلب اليوم حوارات تفاعلية مباشرة، وتزاوجًا بين التقنيات الحديثة وأشكال التواصل الجديدة، قادتني الأفكار إلى تجاوز موضوع القضاء في حد ذاته، والولوج إلى الموصوم والثالوث المحرم؛ لأن إصلاح الضمان الاجتماعي لم يعد قضية قانونية فحسب، بل أصبح خيارًا سياسيًا ومجتمعيًا وحضاريًا.
ولنعمل جميعًا من أجل صياغة مجلة للضمان الاجتماعي، تؤسس لمنظومة حديثة تقوم على قيم العدالة الاجتماعية، وتوازن الحقوق والواجبات، وتبسيط الإجراءات، وتوحيد المنافع، وتعزيز الشفافية والحوكمة، ورقمنة الخدمات، وحسن توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة المواطن والإدارة على حد سواء.
إنها قيم ممكنة، وليست مستحيلة، وهي في متناولنا جميعًا، متى توفرت الإرادة، وانخرطنا بصدق في مشروع إصلاحي وطني، يحتاج إلى قدر من الالتزام، وإلى حد أدنى من الوطنية دون شوفينية، حتى يستعيد الضمان الاجتماعي دوره الحقيقي باعتباره ركيزة للعدالة الاجتماعية، ومؤشرًا للتنمية، وضمانة للاستقرار، وتجسيدًا لدولة تحمي مواطنيها قبل أن تطالبهم بواجباتهم.
