جريدة الشعب نيوز
دوليوثائقي

الكاميكاز الثوري ” أوكوموتو “: لم يندب السجن من أجل فلسطين، بل القنبلة التي لم تنفجر

لماذا جاء كوزو أوكوموتو ليحارب معنا؟ ما الذي يدفع شابًا يابانيًّا، وُلد على بعد آلاف الكيلومترات من أجل إسناد فلسطين؟ ليس هذا السؤال مجرد فضولٍ تاريخي، بل هو سؤالٌ عن معنى العدالة، وعن حدود الانتماء، وعن قدرة الإنسان على أن يجعل من قضية الآخرين قضيته الشخصية. فالإجابة لا تكمن في سيرة رجل واحد، بل في سيرة جيلٍ كامل آمن بأن الحرية لا تعرف الحدود، وأن الظلم، أينما وقع، يستدعي مقاومته.
لم يكن كوزو أوكوموتو مجرد مقاتل ياباني حمل السلاح في فلسطين، بل كان تجسيدًا لفكرةٍ وُلدت من رماد هيروشيما وناغازاكي، ومن ذاكرة شعبٍ عرف الإبادة النووية، فخرج من بين أنقاضها جيلٌ رفض أن تتحول مأساة بلاده إلى ذكرى، وأراد أن يجعل منها موقفًا أخلاقيًّا في مواجهة الظلم أينما كان. لقد كان ابن سؤالٍ ظل يؤرق الشباب الياباني بعد الحرب العالمية الثانية: كيف يمكن لشعبٍ عرف معنى الإبادة أن يقف متفرجًا على إبادة شعبٍ آخر؟
الجسد يعبر القارات ليقاتل من أجل قضية
من هذا السؤال خرجت تجربة الجيش الأحمر الياباني، التي لم ترَ في الثورة قضية وطنٍ واحد، بل قضية الإنسان حيثما كان. لم يعد الوطن حدودًا جغرافية، بل موقفًا أخلاقيًّا، ولم تعد التضحية دفاعًا عن إمبراطور كما فعل طيارو الكاميكاز في الحرب العالمية الثانية، وإنما دفاعًا عن المظلومين أينما كانوا. لقد ورث هؤلاء من الكاميكاز روح الإقدام والاستعداد للفداء، لكنهم غيّروا وجهتها؛ فلم تعد الطائرة تنقضّ دفاعًا عن الإمبراطورية، بل أصبح الجسد نفسه يعبر القارات ليقاتل من أجل قضية يؤمن بعدالتها، في مواجهة ما كانوا يرونه منظومةً عالمية للهيمنة والاستعمار والإمبريالية.
وهكذا أصبح كوزو أوكوموتو أكثر من شخص؛ صار رمزًا لجيلٍ آمن بأن العدالة لا تُختزل في الهوية القومية، وأن التضامن الأممي ليس شعارًا سياسيًّا، بل هو فعل وجودي يربط بين هيروشيما وفلسطين، وبين ذاكرة الضحية وواجب الانحياز إلى كل مظلوم.
ولم يكن وصوله إلى فلسطين وليد صدفة أو مغامرة فردية، بل جاء ضمن رؤيةٍ صاغها «الخال» الدكتور وديع حداد قائد العمليات الخارجية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي أدرك أن فلسطين لا تستطيع أن تواجه المشروع الصهيوني والإمبريالية العالمية وهي معزولة عن حركات التحرر في العالم. رأى حداد أن القضية الفلسطينية يجب أن تتحول إلى قضية أممية، وأن تصبح نقطة التقاء لكل الثوار الذين يؤمنون بأن الحرية لا تتجزأ، وأن الظلم، مهما اختلفت وجوهه، هو عدو الإنسانية كلها.
طبيعة الرجل؛ قليل الكلام، شديد التواضع
هكذا بدأ الطريق الذي قاد كوزو ورفاقه إلى فلسطين، لكنه لم يكن طريقًا مباشرًا، بل رحلةً عبرت محطاتٍ متعددة، بدأت في بيروت، ثم امتدّت إلى بعلبك، ومنها إلى باريس، ثم روما، قبل أن تنتهي في مطار اللد.
كانت البداية في بيروت، حين وصل يامادا، المُكلّف بالمشاركة في العملية، قبل أن يتعرض لوعكة بعد أن غرق قرب صخرة الروشة، فتفقده المجموعة كعنصر قادر على تنفيذ المهمة. عندها وقع الاختيار على كوزو أوكوموتو، الشاب القادم من مدينة كوماموتو في جزيرة كيوشو، ليحل مكانه، وكأن القدر كان يعيد ترتيب الأسماء في واحدة من أكثر العمليات إثارةً للجدل في تاريخ الصراع العربي الصهيوني.
وصل كوزو إلى مطار بيروت في ربيع عام 1972. حمل ورقةً صغيرة كُتب عليها عنوان الفندق باللغة العربية، وسلّمها لسائق سيارة الأجرة. لم يفهم شيئًا من حديث السائق الذي أخذ يمازحه بكلمات مثل «بروس لي» و«كونغ فو»، بينما كان يكتفي بابتسامة هادئة وهزّة رأس مُهذّبة. كان المشهد بسيطًا، لكنه يكشف طبيعة الرجل؛ قليل الكلام، شديد التواضع، يواجه العالم بابتسامة أكثر مما يواجهه بالكلمات.
وفي صباح اليوم التالي بدأت المرحلة الثانية من الرحلة. حمل حقيبته وسار نحو مقهى شاتيلا على شاطئ بيروت، حيث لم يكن في انتظاره شخص يعرفه، بل إشارة مُتفق عليها. طرق النادل ثلاث مرات على كأس الماء، فردّ كوزو بطريقتين. دقائق قليلة، ثم انطلقت السيارة نحو بعلبك، ومنها إلى جرود يونين، حيث أمضى شهرين في التدريب على السلاح والرماية، فيما كان رفيقاه ينتظرانه في أوروبا.
في ثقافة الكاميكاز، لا مكان للأسير، ولا معنى للنجاة
وحين انتهت مرحلة التدريب، بدأت المرحلة الثالثة. غادر كوزو لبنان إلى باريس، حيث التقى أفراد المجموعة، وهناك اكتملت صورة المهمة في أذهانهم، لا بوصفها فكرة عامة، بل بوصفها خطة مُحدّدة لها موعد ومسار. ومن باريس بدأت الرحلة الأخيرة عبر القطارات الأوروبية حتى روما. كانوا يتحركون بهدوء سياحٍ عاديين، بينما كانت كل خطوة تقرّبهم من لحظة لم يكن أحد منهم يتوقّع أن ينجو منها.
في روما تسلّم قائد المجموعة حقيبة السلاح. ثلاث بنادق، وستة مخازن، وأربع وعشرون قنبلة يدوية. لم تكن الحقيبة تحمل أدوات قتال فحسب، بل كانت تحمل قرارًا نهائيًّا بأن أصحابها ذاهبون إلى مهمة بلا عودة. ففي ثقافة الكاميكاز، لا مكان للأسير، ولا معنى للنجاة إذا كانت المهمة قد انتهت.
حين سأله المحقّق الإسرائيلي: «من أنتم؟» أجاب بهدوء: «رجال عملية باتريك أرغويللو». وحين سأله عن الهدف، قال: «انتقامًا لتدمير الطائرات في مطار بيروت… مطار مقابل مطار»
ومن روما انطلقت المرحلة الأخيرة نحو مطار اللد. في الثلاثين من ماي 1972 هبطت الطائرة، وبعد إنهاء إجراءات الدخول، اتجه الثلاثة إلى حاويات النفايات، ومزّق كل واحد منهم جواز سفره الياباني. لم يكن ذلك مجرد احتياط أمني، بل كان إعلانًا رمزيًّا بأنهم تخلوا عن كل هوية إلا هوية القضية التي جاؤوا من أجلها.
ثم فُتحت حقيبة السلاح. وانطلق الرصاص.
وتعاقبت الانفجارات.
وحين انتهت الذخيرة، فجّر رفيقاه نفسيهما بالقنبلة الأخيرة كما كان مُخططًا. أمّا كوزو، فقد حدث ما لم يكن يتوقعه أحد؛ قنبلته لم تنفجر.
في تلك اللحظة لم يشعر بأنه نجا، بل شعر بأنه أخفق. فالرجل الذي تربّى على أن الكاميكاز لا يقع أسيرًا في يد عدوه، وجد نفسه حيًّا، بينما مضى رفيقاه إلى النهاية التي خرجوا جميعًا من أجلها.
حين سأله المحقّق الإسرائيلي: «من أنتم؟» أجاب بهدوء: «رجال عملية باتريك أرغويللو». وحين سأله عن الهدف، قال: «انتقامًا لتدمير الطائرات في مطار بيروت… مطار مقابل مطار».
لم يكن يحاول تبرير فعلته، بل كان يجيب كما يجيب رجل يعتقد أنه أدّى المهمة التي جاء من أجلها. في سجن الرملة، قضى سنوات طويلة في العزل، مُقيّد اليدين والرجلين، حتى فقد الإحساس بالزمن. وحين مثل أمام المحكمة، قال عبارته الشهيرة: «إذا مت فسأتحول إلى نجم في السماء». لم تكن استعارة شعرية، بل تعبيرًا عن يقين المقاتل الذي يرى الشهادة اكتمالًا للعهد.
خرج لاحقًا في صفقة تبادل الأسرى، لكنه لم يتحرر من أسره الداخلي. كان يعيش وكأن الحياة نفسها أصبحت عبئًا عليه. لم يكن يندب سنوات السجن، بل كان يندب تلك القنبلة التي لم تنفجر. كان يشعر أن بقاءه حيًّا حرمه من مشاركة رفيقيه المصير الذي اختاروه معًا.
ولذلك ظل، حتى سنواته الأخيرة في لبنان، يحمل شيئًا من روح الساموراي، وصمت الكاميكاز، ووفاء المناضل الأممي. كان يرى في فلسطين قضية عادلة تستحق أن يُبذل العمر من أجلها، لا لأنها قضية الفلسطينيين وحدهم، بل لأنها قضية الحرية نفسها.
 وفي آخر ظهور له أمام النصب الرمزي لرفاقه اليابانيين في مقبرة شهداء شاتيلا، ألقى كلمة بلغته اليابانية، ثم ختمها بالعربية التي أحبها أكثر مما أتقنها:
«أنا كوزو… سأبقى معكم أحارب ضد إسرائيل».
ربما سيظل الناس يختلفون حول العملية، وحول خيارات تلك المرحلة وأدواتها، لكنهم لن يختلفوا على حقيقة واحدة: أن كوزو أوكوموتو كان أحد أكثر نماذج التضامن الأممي ندرة في القرن العشرين؛ رجلٌ عبر نصف العالم ليقاتل من أجل شعبٍ لم يولد فيه، وآمن أن العدالة لا تُقاس بالهوية، بل بالانحياز إلى المظلوم.
لقد رحل الجسد، لكن الفكرة بقيت. بقيت صورة ذلك الشاب الذي خرج من ذاكرة هيروشيما ليصل إلى فلسطين، لا ليقاتل من أجل وطنه، بل من أجل وطنٍ للعدالة يتسع للإنسان جميعًا. كان آخر الكاميكاز، لكن على نحوٍ مختلف؛ فقد استبدل الولاء للإمبراطورية بالولاء للحرية، وجعل من جسده جسرًا بين هيروشيما وفلسطين، وبين مأساة اليابان ونضال الشعوب المستعمرة.
وربما لهذا السبب ظل يحمل، حتى آخر يوم في حياته، حسرة القنبلة التي لم تنفجر، لأنها بالنسبة إليه لم تكن مجرد قنبلة، بل العهد الذي لم يكتمل. عاش وفيًّا لرفيقيه، وفيًّا لوعده، وفيًّا لفلسطين، حتى أسلم روحه في لبنان، بعد أن كان قد وهب شبابه لقضية لم يولد فيها، لكنه اختار أن يولد من جديد داخلها.
وهكذا، إذا عاد السؤال الذي بدأنا به: لماذا جاء كوزو أوكوموتو ليحارب معنا؟ فلأن بعض البشر لا يقيسون أوطانهم بحدود الخرائط، بل بحدود العدالة. جاء لأن هيروشيما لم تكن بالنسبة إليه ذكرى قومية، بل جرحًا إنسانيًّا علّمه أن الإبادة واحدة، وأن الوقوف مع المظلوم واجبٌ لا تحدّه اللغة ولا الجنسية. وجاء لأن فلسطين رآها امتحانًا أخلاقيًّا لإنسانية العالم، فاختار أن يكون في صفّها، لا طلبًا لمجدٍ شخصي، بل وفاءً لفكرةٍ آمن بها حتى النهاية.
الحرية تستحق أن يُدفع ثمنها من العمر
واليوم، وقد رحل الجسد في لبنان، بعد أن وهب حياته لفلسطين، يمكن القول إن كوزو أوكوموتو أكمل رحلته الأخيرة. لقد التحق أخيرًا برفيقيه اللذين سبقاه في مطار اللد، والتحق بكل أولئك الذين آمنوا أن الحرية تستحق أن يُدفع ثمنها من العمر. ربما انتهت حياة الرجل، لكن الرحلة التي بدأت من رماد هيروشيما، وعبرت بيروت وبعلبك وروما وفلسطين، لن تنتهي برحيله، لأنها أصبحت جزءًا من ذاكرة التضامن الأممي.
وداعًا رفيق كوزو. لقد حملت حسرة القنبلة التي لم تنفجر أكثر من نصف قرن، وكأنك كنت تؤجّل موعد اللقاء برفيقيك. وها هو الموعد قد حان. نم قرير العين؛ فقد أسلمت روحك في لبنان، كما أردت أن تهب حياتك لفلسطين، والتحقت أخيرًا برفاقك الشهداء.
أبلغ سلامنا إلى سميح، ولا تنسَ البقية وسيبقى اسمك شاهدًا على أن الإنسان يستطيع أن يولد مرتين: مرةً في وطنه، ومرةً في القضية التي اختارها بإرادته، وأن الطريق من هيروشيما إلى فلسطين لم يكن يومًا طريقًا على الخريطة، بل طريقًا في الضمير الإنساني.
*  بقلم مروان عبد العال
 * قضايا وآراء/ الأخبار اللبنانية / السبت 25 جويلية 2026
—-
* العناوين من اقتراح فريق النشر

مقالات مشابهة

الاتحاد العربي للنقابات : حماية العمال والبيئة أولوية في مواجهة الكوارث الطبيعية

فريق النشر Echaab News

الاتحاد الدولي لعمال النقل يشرح مطالبه الستة للمغاربة ويثري مخيم الشباب

فريق النشر

الضغوط الأمريكيّة تنجح في اقالة “كريم خان”

فريق النشر Echaab News