جريدة الشعب نيوز
نقابي

في البرلمان: جلسة مساءلة بلا حكومة، فأي “صورة قاتمة” أخطر من ذلك؟

[انعقدت اليوم الاثنين 27 جويلية 2026] الجلسة العامة بمجلس نواب الشعب المخصصة لمناقشة تداعيات الانقطاعات المتكررة للكهرباء والماء، في واحدة من أكثر الأزمات التي عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، بعد أن تزامنت الانقطاعات مع موجة حر قياسية أثرت في حياة ملايين التونسيين، وعطلت مصالح المواطنين والمؤسسات الاقتصادية، وأثارت مخاوف جدية بشأن أوضاع المرافق الصحية والسجنية.
لكن الحدث الأبرز في الجلسة لم يكن النقاش حول أسباب الأزمة أو سبل معالجتها، وإنما غياب الحكومة بالكامل عن أشغالها، رغم أن الجلسة خُصصت أساساً لمساءلتها والاستماع إلى توضيحاتها بشأن ما جرى. وهو ما اعتبره عدد من النواب والمراقبين سابقة سياسية تعكس تراجعاً في مكانة البرلمان، باعتبار أن وظيفة الرقابة البرلمانية لا يمكن أن تمارس في غياب الطرف المعني بالمساءلة.
البرلمان يؤدي دوراً تشريعياً محدودا
ويرى متابعون أن خطورة هذا الغياب لا تكمن فقط في تعطيل نقاش سياسي، وإنما في الرسالة التي يحملها بشأن العلاقة بين الوظيفتين التنفيذية والتشريعية. فحين لا تستجيب الحكومة لدعوة البرلمان للمساءلة، يصبح السؤال مطروحاً حول مدى احترامها لمبدأ المسؤولية السياسية أمام ممثلي الشعب. كما أن تكرار هذا المشهد قد يكرس الانطباع بأن البرلمان يؤدي دوراً تشريعياً محدوداً، بينما تتراجع وظيفته الرقابية، وهي إحدى أهم الوظائف التي قامت عليها البرلمانات الحديثة.
وقد بلغ النقاش داخل المجلس حد الدعوة إلى تفعيل الآليات الدستورية لمحاسبة الحكومة بما في ذلك إعداد لائحة لوم ضدها خاصة وأن البلاد تحتاج إلى حكومة قادرة على مواجهة الأزمات بالحضور والتفسير وتحمل المسؤولية، لا بالغياب عن جلسات المساءلة.
وفي موازاة النقاش السياسي، احتلت التداعيات الإنسانية للأزمة حيزاً مهماً من المداولات خاصة بعد ان حذرت المنظمة التونسية للأطباء الشبان من غياب معطيات رسمية حول الوفيات والإصابات المرتبطة بموجة الحر، ومن غياب خطة وطنية واضحة لمجابهة الأزمة، خاصة بالنسبة إلى المرضى الذين يعتمدون على أجهزة طبية تعمل بالكهرباء، وبعد ان أثارت تقارير حقوقية مخاوف بشأن أوضاع المؤسسات السجنية، بعد الإعلان عن وفيات داخل بعض السجون وتداول معطيات عن ظروف صعبة شملت الحرارة المرتفعة والانقطاعات المتكررة للماء والكهرباء، وهو ما دفع إلى المطالبة بتحقيقات مستقلة وكشف الحقائق للرأي العام.
وقائع عاشها المواطنون بشكل مباشر
وفي خضم هذه التطورات، أثار تصريح رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة، الذي قال فيه إنه “لا مجال لإعطاء صورة قاتمة أو مغلوطة أو محبطة للعزائم” بشأن أزمة الماء والكهرباء، نقاشاً واسعاً خارج البرلمان ليس فقط بسبب مضمونه، وإنما بسبب توقيته وسياقه.
فالمسألة لا تتعلق بمجرد “صورة” يجري رسمها، وإنما بوقائع عاشها المواطنون بشكل مباشر. فالانقطاعات لم تكن رواية إعلامية ولا حملة على شبكات التواصل، بل تجربة يومية عاشتها آلاف العائلات والمؤسسات، ووثقتها شكاوى المواطنين والاحتجاجات المحلية والتقارير المهنية، إضافة إلى الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت على نطاق واسع. لذلك، يرى مراقبون أن النقاش حول “الصورة” ينقل الاهتمام من جوهر الأزمة إلى كيفية الحديث عنها، في حين أن الأولوية يفترض أن تكون لتفسير أسبابها وتحديد المسؤوليات وطمأنة الرأي العام.
غير أن الملاحظة الأهم، وفق متابعين، هي أن أكثر ما أضعف صورة مؤسسات الدولة لم يكن الحديث عن الأزمة، وإنما الطريقة التي أُديرت بها سياسياً. فإذا كان رئيس البرلمان يحذر من تقديم “صورة قاتمة”، فإن انعقاد جلسة مساءلة للحكومة في غياب الحكومة نفسها يمثل، بالنسبة إلى كثيرين، الصورة الأكثر قتامة. لأن البرلمان، في أي نظام دستوري، يستمد جزءاً أساسياً من مكانته من قدرته على مساءلة السلطة التنفيذية، وعندما تعقد جلسة رقابية من دون حضور المسؤولين المعنيين، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام هي أن آليات الرقابة أصبحت شكلية أكثر منها فعلية.
المساءلة ممارسة فعلية وليست مجرد عنوان
ويذهب بعض المراقبين إلى أن هذا المشهد لا يسيء إلى الحكومة وحدها، بل يطال أيضاً صورة المؤسسة البرلمانية نفسها. فاستمرار انعقاد جلسات المساءلة في غياب الحكومة، من دون اتخاذ إجراءات سياسية أو مؤسساتية تعيد الاعتبار للدور الرقابي للمجلس، قد يرسخ لدى المواطنين شعوراً بأن البرلمان عاجز عن ممارسة اختصاصاته، وهو ما قد يزيد من اتساع فجوة الثقة بين الناخبين والمؤسسات المنتخبة.
لذلك، فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بكيفية تجنب “الصورة القاتمة”، وإنما بكيفية معالجة الأسباب التي أنتجتها. فالصور تتحسن عندما تتحسن الوقائع، والثقة تُستعاد عندما تلتزم المؤسسات بأدوارها الدستورية، وعندما تكون المساءلة ممارسة فعلية وليست مجرد عنوان لجلسة يغيب عنها من يفترض أن يُساءَل.
—-
* العناوين الفرعية من اقتراح فريق النشر

مقالات مشابهة

قطاع النسيج يفتح ملف المرأة العاملة : تقييم للمسار وبرمجة للمرحلة القادمة

فريق النشر Echaab News

توزيع المسؤوليات صلب الفرع الجامعي لعملة التعليم العالي بجندوبة

فريق النشر Echaab News

الجزيري في إدارية الكاف : الاتحاد سيواصل دوره الوطني والنقابي و لن يبقى مكتوف الأيدي

فريق النشر Echaab News