نبدأ من الجزيرة، من قرقنة بالذات، حيث تبلغ المفارقة أَوْجَها.
قرقنة: أرخبيلٌ صغير، يقطنه نحو خمسة عشر ألف نسمة شتاء و أكثر من عشرة أضعافها صيفا، يمتدّ على طول أربعين كيلومترًا بين الجنوب الغربي والشمال الشرقي، بمساحة لا تتجاوز 150 كيلومترًا مربَّعًا. يتّصل أهلها بالبرِّ عبر الباخرة (اللود) في رحلةٍ تختصر فلسفة حياتهم هناك: انتظارٌ طويل، ويقينٌ بأنّ المواعيد قابلةٌ للتأجيل والتأخير. جزيرةٌ يُحيط بها المتوسط من كلِّ جانب، ويغيب عنها الماء العذب في أشدِّ الأوقات حرارة.غرق من الخارج، ظمأ في الداخل
المفارقة الأقسى أنَّ البحر نفسه الذي يمتنع عن مَدّ الجزيرة بقطرة شرب، يتقدّم نحو يابستها بلا استئذان؛ إذ تتواتر التقارير البيئية عن مياه البحر وهي تغمر شوارع قرقنة وبيوتها في أيام الانحسار والمدّ الجارف، في مشهد يلخّص العبث التنموي: الماء يُغرقك من الخارج، ويتركك ظمآن من الداخل!
ولولا “الماجل” – ذلك الخزان التقليدي التاريخي لحفظ مياه الأمطار الذي حفرته الأيدي الأبية في جوف الأرض – لتوقفت أسباب الحياة في هذه الرقعة منذ زمن بعيد. فالإنسان القرقني، ومعه أبناء المناطق المعزولة التي لم تشملها رعاية “دولة الاستقلال” سوى بالشعارات الموسمية، اعتاد التعويل على ذاته منذ فجر التاريخ.
إنسان هذه الجزيرة يتغذى من البحر الذي يخوضه بأساليبه التقليدية الشراعية، ومن الغلال والخضروات التي يزرعها في التربة المالحة، وينتشي بما تجود به الكروم والنخيل التي غرسها بيده حفرًا في الصخر. لقد أوجد القرقني نظامه التنموي الموازي ليتحدّى تهميش المركز، مستعينًا بـ “الماجل” ليكون بنك المياه الوحيد الصادق في أوقات الجفاف.
قلة التجهيزات وغضب المواطن
ولا تتوقف التراجيديا عند حدود الحنفية الجافة؛ بل تمتد لتضرب شريان الكرامة الإنسانية في مقتل عبر تردي البنية التحتية الصحية.
فالمستشفى الجهوي بقرقنة بات، على أرض الواقع، لا يعدو أن يكون مجرد “مستوصف” للخدمات الأولية، يكابد فيه الإطار الطبي والشبه طبي الأمرين يوميًا: شقاء قلة التجهيزات وغياب أدنى المستلزمات الطبية والتشخيصية الضرورية، ومواجهة غضب المواطن المحبط الذي ينفجر أمام الشبابيك جراء تخلي الدولة عن واجباتها الأساسية في رعاية صحة رعاياها.
يجد الطبيب نفسه بين سندان شح الإمكانيات ومطرقة المواطن المكتوي بآلامه، في مرفق صحي يعجز عن التعامل مع الحالات الحرجة دون إجبار المرضى على امتلاء رعب التنقل عبر “اللود” نحو مستشفيات صفاقس.
المسافة التي لا يردمها أي خطاب
وفي الوقت الذي تغرق فيه البيوت وتظمأ، تواصل التصريحات الرسمية طمأنة الرأي العام بنبرة باردة: فنظرية “نسبة امتلاء السدود على المستوى الوطني التي تناهز 60 بالمئة” تُقدَّم دائمًا كدليل عافية. غير أن هيئات حقوقية مستقلة، وفي مقدمتها المرصد التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تؤكد أن هذه الأرقام البلاغية لا تفسر استمرار انقطاع التزوّد بالماء؛ فبين البيان الرسمي المطبوع والقلة الفارغة في المطبخ، مسافة هيكلية لا يردمها أي خطاب.
