28.9 C
تونس
16 أوت، 2026 00:55
جريدة الشعب نيوز
وطني

“البحر بيضحك ليه..؟ ” (3): تونس عاصمة العتمة”

لأن المأساة لا تكتفي بحدود الأرخبيل، فإننا حين نُنحِّي القُلَّة جانبًا ونصعد من الجزيرة إلى العاصمة تونس، نجد أن المشكلة تُبدِّل شكلها دون أن تتخلّى عن جوهرها: بلادٌ تبتسم في الإعلانات، وتغرق في الظلام والعطش على أرض الواقع.
منذ أواخر جويلية، دخلت الشركة التونسية للكهرباء والغاز (الستاغ) في نظام قطعٍ دوري، يطال الأحياء السكنية في فترات ذروة الحرارة. والسبب الرسمي المكرر: موجة حر غير مسبوقة دفعت الطلب نحو أرقام قياسية اقتربت من خمسة آلاف ميغاواط. أرقامٌ تقرأها النشرات الرسمية باقتضاب، بينما يعيشها المواطن انقطاعًا للأنفاس واختناقًا داخل المنازل.
هنا تلتقي المفارقة الكبرى بشرطها الدولي والمحلي: بلادٌ تسوّق نفسها للعالم بوصفها “بلاد الشمس”، وتملك أكثر من ثلاثمئة يوم مشمس في السنة، لكن طاقتها الشمسية لا تزال تعاني التعطيل والمراغمة الهيكلية، لينتهي بنا الأمر ننتظر الضوء في الظلام. ولو حاسبتنا الشمس على حقوق الملكية الفكرية لكل شعار سياحي استغلها، لكنا في إفلاس تام!
ولهذه الأزمة ثمنٌ بشري فاجع؛ فقد سجلت تقارير محلية حالات وفاة داخل المنازل عقب توقّف أجهزة التنفس الاصطناعي التي تعتمد على الكهرباء. وحين يقتل الانقطاع الكهربائي، تحترق السخرية لتتحول إلى مسؤولية أخلاقية وسياسية تُوجّه إلى البلاغ الذي يصف الفاجعة بـ “الإجراء الاحترازي”.
وفي الليلة نفسها التي تنطفئ فيها الأحياء الشعبية، تبدو الواجهات السياحية والمالية مُضاءة بلا انقطاع؛ فالنزل يشتغل بمولّده الخاص، والمسبح يواصل تدفئة مياهه، بينما الحيُّ القابع خلفه مباشرة يتعشّى على ضوء الشمعة أو الهاتف. ومن يعمل في ذلك النزل المضاء؟ إنهم أبناء ذلك الحي المعتم بالذات! يصنعون الضياء والرفاه لغيرهم، ثم يعودون ليلًا إلى بيوتهم المظلمة.
وحتى الوعود المعاصرة عن “الإدارة الرقمية”، و”الحوكمة الذكية”، وشعارات “الذكاء الاصطناعي” والعمل عن بعد، تتهاوى جميعها أمام انقطاع التيار والإنترنت. فالعامل المستقل التونسي الذي يتفاوض مع حريف في أوروبا أو أمريكا، يجد نفسه فجأة خارج الشبكة، محاولًا أن يشرح لحريفه الدولي أنه “متصل بالكون”… ولكن على الورق فقط!

مقالات مشابهة

الموجودات من العملة الأجنبية 98 يوما من التوريد

فريق النشر Echaab News

حجم التداول تجاوز 26 مليون دينار : تراجع توانداكس بسبب تراجع قيمة أسهم 37 شركة

فريق النشر Echaab News

“البحر بيضحك ليه..؟ (2) :”أرخبيل العطش،قرقنة والصمود التاريخي”

فريق النشر