كتب طارق الشيباني – لا تنحصر المعادلة الجائرة في جزر قرقنة أو العاصمة تونس؛ فالخارطة الوطنية للعطش والعتمة تتّسع لتشمل جهاتٍ بأكملها، تتقاسم المصير ذاته وإن اختلفت التضاريس.
ففي ولاية المهدية، التي تحتلّ المرتبة الثالثة وطنيًّا في خارطة العطش وفق ما رصده المرصد التونسي للمياه نظّم الأهالي وقفةً احتجاجية في التاسع من أوت الجاري، ليقولوا بصوتٍ واحد إنّ أزمة الماء لم تعد -في نظرهم- أزمةً موسميةً عابرة، بل قدرًا سنويًّا يُفرض عليهم دون أفقٍ لحلٍّ هيكلي.
من المهدية الى المتلوي مرورا بطبرقة
وفي الشمال الغربي، حيث يُفترض أن تكون السدود والأودية أقرب إلى الأهالي منها إلى أماكن أخرى، ففي منطقة نبر و مناطق أخرى بولاية الكاف يشتكي المواطنون من الإنقطاع الكلي للمياه أيامًا كاملة، وحين تعود لا تفعل ذلك إلا بضغطٍ خافت وساعاتٍ معدودة؛ بينما تتكرّر مشاهد مشابهة في طبرقة و خصوصا بالخذايرية من ولاية جندوبة، تلك المدن التي تُسوَّق سياحيًّا بجبالها الخضراء وشواطئها الفيروزية، وكأنّ الطبيعة الكريمة عاجزةٌ عن إقناع الدولة بمدّ أنابيبها إلى بيوت سكانها الأصليين.
أمّا في الحوض المنجمي، بمدينة المتلوي و مدن مجاورة بولاية قفصة، فقد بلغ الاحتقان حدَّ قطع الطرقات، في تكرارٍ مأساويٍّ لمعادلة قرقنة نفسها: أرضٌ يُستخرج من باطنها فوسفاتٌ يُصدَّر إلى أسواق العالم، وسكانٌ ينتظرون صهريج الماء تحت الشمس. من الشرق إلى الغرب، ومن الساحل إلى الداخل، تتكرّر القصة بأسماء مختلفة وجغرافيا متعدّدة، لكن بجوهرٍ واحد لا يتغيّر: مركزٌ يستهلك ويقرّر، وأطرافٌ تُنتج وتُهمَّش وتنتظر.التغيير الميداني لا يتحقق إلا بالضغط الجماعي المنظم
ولئن كانت السخرية السوداء والتوثيق النقدي خطَّ دفاعٍ أول لتفكيك خطابات الزيف وتعرية السيرك السياسي، فإن الفكاهة وحدها لا تبني محطة تحلية ولا تضيء حيّاً مظلماً، سواء في قرقنة أو الكاف أو المتلوي. السخرية سلاحٌ للوعي، غير أن التغيير الميداني لا يتحقق إلا بالضغط الجماعي المنظم — نقابياً وجمعوياً وشعبياً، من الجزيرة إلى الجبل إلى الحوض المنجمي — لتصحيح المسار، وفرض السيادة الوطنية على الملفين المائي والطاقي بوصفهما قلعتين لا تقبلان المساومة ولا التفويت النيوليبرالي.
البحر يواصل ضحكته الماكرة، والقُلَّة تواصل الوقوف في طوابير الانتظار، بينما يحرس “الماجل” التاريخي ما تبقى من قطراتٍ بوفاء القلاع الصامدة. غير أن للضحك حسماً، و للصبر سقوفاً لا بد أن تتداعى. وسيأتي اليوم الذي ترفض فيه القُلَّة أن تُحمل على الأكتاف وهي فارغة، ويسترد فيه “الماجل” حقه في الحياة، ليتحولا من رمزين للمعاناة إلى أداة مساءلة تاريخية لمن تسببوا في هذا الخراب الممتد.

فضح الفصام التنموي
وإلى أن تستقيم البوصلة، ستظل الصورة التونسية مشطورةً بين وجهين: وجهٍ تُباع به البلاد في المعارض الدولية كـ “لوحة بريدية” للبحر الضاحك والشمس الدافئة، ووجهٍ يُعاش في الداخل بصوت القُلَّة الجافة وسطوع الشمعة في الظلام. وبين الوجهين تقف الكلمة النقدية الملتزمة لتفضح هذا الفصام التنموي، وتخوض ملحمتها اليومية حتى يستعيد المرفق العمومي سؤدده، ويسترد المواطن حقّه البديهي في قطرة ماءٍ تروي غليله، وشعاع ضوءٍ يضمن كرامته.
