جريدة الشعب نيوز
ثقافي

في البلاد عندها لا سادة ولا عبيد : الناقد الأدبي هشام صيام يهتم بأدب الكاتبة رمال عبد اللاوي

الشعب نيوز / ناجح مبارك – تواصل الاديبة رمال عبد اللاوي  رحلتها الإبداعية بين الشعر و السرد حيث صدرت لها اعمال مميزة فضلا عن حضورها الثقافي و مشاركاتها الادبية و من بين المهتمين بتجربتها الناقد و الكاتب هشام صيام الذي تابع تجربتها و منها هذه الكتابة الادبية النقدية تن جانب من إبداعات رمال …

بعد سكون العاصفة لملمت الطبيعة أشلاءها المبعثرة كي ترجع كل شيء كما كان….كنت أرى ما لا يرى قناديل تضحك وعيون تلمع وأمي تتحدث مع غرباء عن الموسيقى وهم محفوفون بالسمفونية التاسعة لبتهوفن .
ومن النافذة كنت أرى أسلاك الكهرباء خالية من الغربان والسماء لا تحوم فيها العقبان والنسور، ولا أسراب البعوض تنتقل فوق البرك والمستنقعات ،حيث لا برك ولا مستنقع قرب البيت أصلاً.كنت أرى البلاد لا سادة فيها ولا عبيد ولا حكام ولا محكومين .
* كنت أرى ما لا يرى 
فتحت عينيّ المبللتين بالنعاس شعرت بصداع رهيب في مقدمة رأسي ،لمست جبيني صعقتني حرارة طاغية أيمكن أن تكون الكوفيد ؟ ثم شاهدت حشرات صغيرة في الغرفة تشبه الباعوض مسكت المنشفة ونفضتها بقوة فتطايرت من أنحائها حشرات مضيئة كالجواهر تتدافع نحو ضوء الخارج فتحت لها النافذة فانسابت ،نظرت إلى الأسفل فاءذا بها شظايا أحجار صغيرة مفتتة جدا ولم يعد أثر للحشرات المضيئة ولا لسخونة الحمى .
أما أنا فلم أعد أمت للطبيعة بصلة ،لم يعد تفكيري طبيعيا ولا طبعي ناريا حتى حواسي لم تعد تقوم بوظئفها الطبيعية ولن أجمع أوراقها وأرتبها ثم أفكر بإكمال ما بدأت فقط أتساءل :ماذا بعد ؟ومتى نتحرّر؟ هي دوامة لا تتوقف كأنك أمام كتابة هيروغليفية عاجز أمام فك طلاسمها .
هل نبقى خارج هذه اللغة حتى وإن كنّا لا نفهمها والبقاء خارجها يعني البقاء خارج ذواتنا .
نص سردي مدهش لقاصة وأديبة مبدعة يحوي تناصات مستترة وإسقاطات غاية في البراعة ، مع لمحة تحمل في ذهني حدوث تغيير طفيف على أسلوب أديبة الخضراء في التناول وحضور الفانتازيا التعبيرية التي تحمل إسقاط مغاير عكس ما يتوارد لذهن المتلقي الذي ينظر للنص على ظاهرة ،  منذ بداية حركة القلم على السطور ونحن أمام ما يشبه الوقفة ووضع نقطة والتنقل من ختام سطور لبداية سطر جديد في وريقة أخرى ، ليتم التمهيد بمشهد تداخلت به الطبيعة الأم والأم ذاتها في نسجة مع حضور مجهل لشخوص غير مُعرفين في خوارزمية نسيج المشهد ، ولكن حضورهم استدلال على وجود رفقة ،  الأمر هنا يحتاج لمفاتيح لفك شيفرة الرؤية الخاصة بالمشهد الافتتاحي .
* ” سكون .. لملمت .. سمفونية ” 
هنا نحن امام طرقة فتح ستارة المشهد التي يعقبها الصمت ليحمل انقضاء ـ سكون ـ عوائد حياتية وإن ظل تأثير المؤثر الحادي لها يعتمر أسفل المشهد ، وفي حركة غير منتظمة لمحاولة تغيير الأجواء والترميم في حضور فعل زماني يعني الحدوث بالفعل ـ لملمت ـ وطي صفحة، بغية إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الحدث ، ليأخذنا المشهد نحو تناص مستتر يحمل تأكيد ما كان من طي تلك الصفحة عبر تناص ـ السمفونية التاسعة ـ رفقة حلول لفظ ” أمي ” مع ياء الملكية وتعبير ( تتحدث مع غرباء عن موسيقى ) هنا عين يقين رؤية المشهد ، فالسمفونية التاسعه تلك لبتهوفن هي اخر أعمال هذا الموسيقار الموسيقة ومن أبدع ما وهب من الحان ، ليحملنا هذا التناص المستتر نحو ختام مرحلة وإن كانت هي أجمل ما مرت به أنثى النص ولكنها حملت هنا إسقاط على النهاية لحادي الإلهام عبر إسقاط من السمفونية الأخيرة لبيتهوفن على واقع حياتي يعني انتهاء حلم بديع المثول ، ليحملنا هذا التناص إلى شمولية رمز لفظ ” موسيقى ” الذي يسقط على فرضية الأحلام في واقع الحياة ، الأم تبحث عن حلم اخر تهبه لفلذة كبدها حلم أبطاله بنكهة الغرباء عن حلم أنثى النص ، عبر الترميز بلفظ موسيقى في توافق تام مع تناص السمفونية التي حملت الختام لحياة حاديها ، ليصبح لفظ ” محفوفون ” تأكيد للتأويل السابق فهي ـ الأم ـ وهم ـ الغرباء ـ في محاولة اتفاق ـ تتحدث ـ وتوفيق وتنفيذ لحلم خاص ـ قد لا يتوافق مع احلام الابنة ـ ويحيطهم عقبة واحدة وهي تأثير هذا الحلم الذي يصارع النهاية بكل ما يحمله من حضور في ذات انثى النص ، في ضربة مائزة جدا حملها هذا التناص المستتر ليسقط من إبداع السمفونية الاخير لبتهوفن على هذا الحلم البديع الذي يصارع الغروب .
* أديبة الخضراء 
ومن هذا المشهد المكثف ولحظة ختامه المبهرة يأخذنا نحو لقطة تأملية تحمل النكهة الشمولية والتي من خلالها تسقط أديبتنا على واقع خاص ،  ” أسلاك الكهرباء ” هذا التعبير الذي أعقب لفظ ” النافذة ” وفعل في الزمن الماضي ” أرى ” ـ نحن في معية ما كان وليس ما سيكون أو ما هو مستمر الحدوث ـ فاسلاك الكهرباء رمزية لمدد ومحفز يبعث الضوء والحركة الحياتية وهي هنا تحمل نظرة حالمة واثقة كبدايات ، فهي خالية من التشاؤم ـ غربان ـ مفعمة بالأمل ، خالية من عوائد الحياة ـ عقبان .. نسور ـ والمعوقات ، ومن لدغات الغد ـ البعوض ـ الذي يرقد في رحم الغيب ، فالطريق بنظراتها الوردية ممهد ـ لا برك ولا مستنقع ـ مع استعمال تعبير ” البيت ” والذي يحمل في ذهننا الأمان والسكينة في إسقاط تام على الثقة في عدم تعكير الأجواء ـ كل هذا من خلال افعال تحمل رؤية بنكهة كان أي ماضي ـ لتصل لضربة مزدوجة وتعبير ” كنت أرى البلاد لا سادة بها ولا عبيد ” في حضور لتحليل مائز للمفردات عبر منشور الحبر المترع بالإبداع ليتحول التعبير من شمولية واضحة كظاهر حال النص في نظر المتلقي إلى أطياف تعبيرية تحمل نكهة خاصة عبر مرور التعبير الرمزي من منشور التأويل لهذا القابع خلف مرايا السطور ليصل إلي القراء وهو يحمل إسقاط عام من صدمة اماطة اللثام عن حقيقة واقع حال وطن يسقط منه على واقع خاص أصبحت به الأحلام محكومة بمفردات خاصة حتى تتحقق فنحن وأحلامنا الوردية كالعبيد والمحكومين نظل في رهن الوسن بانتظار صكوك تحمل تأشيرة مرورنا ـ الأحلام ـ ودونها نحن في سجن الأمس مهيض الغد تماما كما حال الأوطان المقيدة مسيرتها .

مقالات مشابهة

محمد منير العرقي عضوًا في لجنة تحكيم مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي

فريق النشر Echaab News

وفاة خريج مدرسة السيرك الفنان رضوان الشلباوي

فريق النشر Echaab News

“البدائل الثقافية المستقلة بين التهميش و التضييق” محور لقاء حواري تنظمه جمعية بنزرت للسينما

فريق النشر Echaab News