هل من حقّ العمال، مهما كانت شرعية مطالبهم، الدخول في إضراب فجئي، أو ما يُسميه البعض «إضرابًا عشوائيًا»؟ قبل الإجابة بـ«نعم» أو «لا»، تفرض الموضوعية طرح سؤال أسبق:
من الذي دفع هؤلاء العمال إلى مثل هذه الممارسة، بدل سلوك المسار القانوني للإضراب؟
أليس تعطيل الحوار والتفاوض، في مختلف مستوياتهما وهياكلهما، بما في ذلك ما نصّ عليه القانون، أحد أسباب انسداد المسار الطبيعي للنزاعات الاجتماعية؟
أليس القول إن «الدولة لا تُساس بمحاضر الجلسات»، في مقابل المطالبة بتنفيذ الاتفاقات، من شأنه أن يفرغ الحوار والتفاوض من مضمونهما؟ وهل يمكن ضرب هياكل الحوار الاجتماعي، ثم الاكتفاء بإدانة ردود الفعل التي تنتج عن انسدادها؟
لنكن واضحين: الإضراب الفجئي لا يصبح قانونيًا لمجرد أن المطلب شرعي، ولا يجوز أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة. لكن، في المقابل، لا يمكن إدانة النتيجة وتجاهل الأسباب التي قادت إليها.
فتاريخ الحركة العمالية والنقابية، في تونس وفي العالم، يؤكد أن كلفة ضرب الحوار الاجتماعي، على المدى المتوسط والبعيد، وأحيانًا حتى على المدى الآني، تكون أعلى بكثير من كلفة الحوار، والتفاوض، وتدعيم هياكلهما، وتسهيل مهمة أطرافهما.
الحوار الاجتماعي ليس ترفًا، ولا مِنّة من أحد، بل هو آلية لحل النزاعات قبل أن تتحول إلى أزمات. ولذلك، بدل أن نكتفي بالسؤال: لماذا أضرب هؤلاء فجأة؟ علينا أيضًا أن نسأل: لماذا وصلوا إلى مرحلة أصبح فيها الإضراب الفجئي، في نظرهم، أقرب من الحوار؟
المسؤولية لا تبدأ يوم إعلان الإضراب فقط؛ بل تبدأ أيضًا يوم تُغلق أبواب الحوار، وتفقد الاتفاقات ومحاضر الجلسات قيمتها، وتتراجع الثقة في آليات التفاوض والمصالحة.
هناك كلام واعتراف بأهمية الحوار الاجتماعي، وهنا أفعال وممارسات تناقضه. وبين الكلام والممارسة تتسع الفجوة، ويدفع الجميع كلفة انسدادها
