الشعب نيوز/ الهادي رشاد حشوش – […] لا يكفي أن تنتهي أزمة صيف 2026 بعودة القوارير إلى الرفوف، لأنها كشفت اختلالات أعمق في الطلب والعرض والتوزيع بالتوازي مع آفة النفايات المستمرة منذ سنين. وإذا كان من المرجح أن تتكرر الضغوط خلال صيف 2027، مع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الطلب، فإن المطلوب هو الانتقال من التدخل الظرفي إلى بناء منظومة أكثر قدرة على الصمود.
أولًا: معالجة الكلفة البيئية للقارورة: يمكن التفكير في إعادة بعث منظومة فعّالة وناجعة لاسترجاع القوارير، تقوم على مبدأ بسيط: كل قارورة تعود إلى الدورة لها قيمة ما.
نظام إيداع واسترجاع
ويمكن وضع آلات تجميع في المساحات التجارية الكبرى، تمنح المستهلك مقابل القوارير المرجَعَة قسيمة شراء أو تخفيضًا على مشترياته. كما يمكن اعتماد نظام إيداع واسترجاع، يدفع فيه المستهلك مبلغًا رمزيًا عند شراء القارورة ويسترجعه عند إعادتها. لكن نجاح هذه المنظومة يقتضي أيضًا إشراك المنتجين في طرفها الآخر: فمن ينتج القارورة ويضعها في السوق يجب أن يتحمّل جزءًا من مسؤولية استرجاعها وتدويرها، وفق مبدئي “المنتج مجمّع” و”الملوّث دافع” وهو ما كان متّبعا باحتشام من خلال منظومة “إيكولاف” المتقادمة. وبذلك تصبح المسؤولية موزعة على طرفي السلسلة: المستهلك الذي يُحفَّز على إعادة القارورة، والمنتج الذي يساهم ماليًا وتنظيميًا في جمعها وتثمينها، مع إمكانية إدماج القطاع غير الرسمي في منظومة أكثر تنظيمًا وشفافية.
توفير بديل موثوق
ثانيًا: تخفيف الضغط على المياه المعلّبة من جهة الطلب. المطلوب ليس منع التونسي من شراء الماء المعدني، بل توفير بديل موثوق. وهنا تصبح الشفافية حول جودة مياه الصّونَاد ضرورية: نشر نتائج التحاليل بانتظام، حسب المناطق، وبطريقة بسيطة يفهمها المواطن، حتى لا تتحول الشائعات أو تغير لون الماء أو طعمه أو رائحته إلى سبب دائم للجوء إلى القارورة. وبالتوازي، يمكن للدولة أن تطلق برنامجًا لدعم اقتناء تجهيزات التناضح العكسي (osmose inverse) أو أنظمة تنقِيَة المياه المنزلية المطابقة للمواصفات مع الاستئناس بتجربة دعم الطاقة الشمسية وتسخين المياه بالشمس: دعم الاستثمار في التجهيز المنزلي الذي يقلل الاستهلاك بدل دعم الاستهلاك نفسه دون أي قرار إداري لتقييده.
مخزون استراتيجي حقيقي
ثالثًا: تأمين العرض واستقرار الإنتاج. أزمة 2026 أظهرت أن قدرة إنتاجية كبيرة لا تَعنِي بالضرورة القدرة على تأمين سلسلة الإمداد إبان التقلبات. لذلك يجب التفكير في مخزون استراتيجي حقيقي للمياه المعلّبة قبل الصيف، مع تحديد حد أدنى من المخزونات لدى المنتجين والموزعين، ومتابعته رقميًا. كما ينبغي ضمان استمرارية الكهرباء بالنسبة إلى وحدات التعليب خلال فترات الذروة عبر دفعها نحو التحول الطاقي الشمسي، وتأمين مخزونات مسبقة من مدخلات الإنتاج الأساسية، خصوصًا الـبلاستيك. ويمكن أيضًا وضع خطة طوارئ تسمَح بتحويل جزء من الإنتاج أو مسار التوزيع بسرعة نحو المناطق التي تسجل نقصًا.
تتبع مسار القارورة رقميّا
رابعًا: إصلاح منظومة التوزيع والأسعار. لا يمكن معالجة أزمة الندرة بمجرد تحديد السّعر الأقصى إذا لم يكن المنتج متوفرًا. فالسعر المستقر هو قبل كل شيء نتاج (وليس نتيجة) عرض منتظم وسلسلة توزيع شفافة. المطلوب هو تقليص حلقات الوساطة غير الضرورية، وتتبع مسار القارورة رقميّا من المصنع إلى الموزع ثم نقطة البيع، مع نشر أسعار البيع وهوامش الربح بشكل واضح. بذلك، يصبح بإمكان السلطات اكتشاف واستباق التخزين غير الطبيعي أو الاختلالات الجهوية قبل تحولها إلى أزمة.
غدا يبدأ الان
في النهاية، فإن الاستعداد لصيف 2027 يجب أن يبدأ الآن وليس في جويلية المقبل. فالحرارة المرتفعة ليست حدثًا استثنائيًا يمكن تجاهله، بل أصبحت عاملًا قارا يجب إدخاله في التخطيط السنوي لكل القطاعات الحساسة. والهدف ليس أن تُنتِج تونس المزيد من القوارير إلى ما لا نهاية، وإنما أن تبني منظومة يكون فيها الماء الصالح للشرب متاحًا وموثوقًا، والماء المعلّب متوفرًا عند الحاجة، والقارورة أقل ضررًا على البيئة، والسعر أقل تعرضًا للمضاربة. بذلك تتحول أزمة صيف 2026 من مجرّد أزمة تموين إلى فرصة لإعادة التفكير في نموذج استهلاك المياه نفسه.
- راجع:
- الجزء الاول: https://tinyurl.com/ys8h7zr5
- الجزء الثاني: https://tinyurl.com/2s4rbs4b
- الجزء الثالث: https://tinyurl.com/yc5bvnz5
- يمكن قراءة المقال كاملا في عدد الشعب الورقية الصادر يوم 27 أوت 2026.
