في كتابه «الصحافة بالوسط الغربي» يعود الكاتب والصحفي محمود حرشاني إلى زمن كانت فيه الصحافة الجهوية تولد وسط صعوبات كثيرة، وكانت الكلمة الصحفية تأتي من أعماق البلاد لتشق طريقها نحو العاصمة ومراكز القرار.
ومنذ عقود ما بعد الاستقلال، وخاصة من سبعينيات القرن الماضي، ظهر جيل من الصحفيين والمراسلين الذين لم تكن لهم إمكانات الصحافة الكبرى، لكن كانت لهم الرغبة والإصرار والقدرة على نقل نبض الجهات. كانوا يكتبون عن المدن والقرى، عن الثقافة والرياضة والتعليم، عن الفلاحين والعمال، وعن الأحداث التي لم تكن تجد طريقها دائمًا إلى الصحافة المركزية.
وهنا تكمن أهمية الكتاب: فهو لا يكتفي بتعداد الصحف والمجلات، وإنما يحاول أن يستعيد أصحاب الأقلام الأولى الذين صنعوا صحافة الوسط الغربي، وأن يمنحهم مكانًا في الذاكرة الإعلامية التونسية.
من قفصة إلى القصرين، ومن سيدي بوزيد إلى مختلف مدن الوسط الغربي، كانت الصحافة الجهوية أشبه بمرايا صغيرة كثيرة؛ كل واحدة منها تعكس جزءًا من حياة الناس. بعضها لم يعمر طويلًا، وبعضها لم يصدر منه إلا عدد أو عددان، لكن ذلك لا يلغي قيمته التاريخية، لأن الصحيفة التي تختفي قد تترك وراءها وثيقة لا تعوض عن زمن كامل.
ولذلك فإن الحديث عن الصحافة في الوسط الغربي ليس حديثًا عن الجرائد وحدها، بل عن جيل كامل من الصحفيين والمراسلين الذين آمنوا بأن للجهة صوتًا، وأن هذا الصوت يستحق أن يُسمع.
وفي هذا المعنى يصبح كتاب محمود حرشاني أكثر من مجرد تاريخ للصحافة؛ إنه وفاء للذين حملوا القلم في الجهات قبل أن تصبح الصحافة الجهوية عنوانًا قائمًا بذاته. وهو أيضًا محاولة لإنقاذ أسماء كثيرة من النسيان، وإعادة تركيب جانب من تاريخ الوسط الغربي من خلال الذين كتبوا عنه وعاشوا تفاصيله.
ولعل أجمل ما في هذا العمل أن الصحفي نفسه يتحول إلى شاهد على تاريخ الصحافة؛ فهو لا يكتب عن مهنة بعيدة عنه، وإنما يستعيد عالمًا عاشه، وعرف رجاله، ورافق تطوره، حتى أصبحت تجربته الشخصية جزءًا من الذاكرة التي يحاول إنقاذها من الضياع. وهذا ينسجم مع مسار حرشاني في كتبه الأخيرة، ومنها «حياتي في الصحافة» و«صحفيًا في الجهات»، حيث تنتقل تجربته من السيرة الشخصية إلى توثيق ذاكرة الصحافة والجهات.[يتبع]
بقلم الكاتب والباحث الأمجد العثماني

