جريدة الشعب نيوز
آخر ساعة

أزمة التعليم في العصر الرقمي

الشعب نيوز / حسني عبد الرحيم – أزمة التعليم بتونس ليست منفصلة عن أزمة التعليم في العالم أجمع مع خصوصية في بعض المشكلات المرتبطة بمستوى النمو الإقتصادي والإجتماعي والإمكانيات المادية المتوفرة والسياسات المتبعة .

التعليم الحديث بتونس إرتبط تعميمه بالإستقلال السياسي كما في العديد من بلاد الجنوب ، فالتعليم العمومي بدأ أساسآ لإحلال موظفي جهاز الدولة الوليد محل موظفي الإدارات الإستعمارية وهو الأمر الذي طبع التنظيم المدرسي والجامعي والمناهج والبرامج الدراسية والشهادات المعتمدة من الدولة والتي تحدد المستوى والحراك الوظيفيين لكل فئة بحسب لوائح إدارية تنظم المسؤوليات وكذلك العقوبات.
ومع بداية كل عام دراسي جديد تبدأ مناقشة أزمة التعليم سواء العام والخاص .
 المدرسة والجامعة العمومية والخاصة والإمتحانات للشهادات الوطنية المعتمدة هي خصائص عملية التعليم خلال القرن الماضي و الوضع لم يكن هكذا دائما .
قبل العصر الصناعي الحديث كان التعليم يتم في المنازل والقصور للأغنياء لتأهيل رجالات الدولة وفي الكتاتيب الدينية يتعلم الفقراء الكتابة والقراءة والحساب و تنويعات من الكتب الدينية الذي كان الغرض الأساسي منها تخريج مقيمي شعائر ومرشدين دينيين وكتبة بالدواوين.
هيكلة التعليم مع بدايات القرن العشرين (مثال “جول فيري” بفرنسا و آخرين) في البلدان الأوروبية إرتبط أساسآ بحاجة الصناعة الميكانيكية وليس فقط بحاجة الإدارات الحكومية والآن ترتبط الإصلاحات بالتكنولوچيا الرقمية والإقتصاد الرقمي والتحول الهائل في سوق العمل مع الهزة الكبرى التى من المتوقع أن يُحدثها الذكاء الصناعي والروبوتات التى ستحل محل العمل الحي في مهام متعددة وبالتالي ستؤدي لتقليص سوق العمل البشري ومن ضمنه الحاجة للمعلمين والمدرسين والإداريين الذين قامت على عرقهم وكفاحهم المدرسة التقليدية التي وصلت إلى منعطف كبير.
التعليم عن بعد من أهم مخرجات الثورة الرقمية فالإتصال بالأنترنات يُمَكن من الحصول والتفاعل مع برامج تعليمية متطورة تغطي كل فروع المعرفة العلمية والثقافات القديمة والمعاصرة و بكل اللغات الحية  وهو تحدي هائل يواجه كل من التعليم العمومي والخاص لأن كليهما تأسسا على نفس المبادئ البيداغوجية التى تشترط التواجد المكاني المتزامن للطالب والاستاذ .
الآن يمكن حتى الدفاع عن الأطروحات الجامعية لكثير من العلوم ومناقشتها عبر منصات رقمية على الأنترنات كسكايب وغيرها .
المناقشة حاليا تتعدى المشاكل القديمة -الباقية و المستمرة إلى حين – مثل تأهيل المباني المدرسية والجامعية وتوفير الأدوات التعليمية و تحسين جرايات القائمين على المنشئات التعليمية من معلمين ومدرسين وإداريين والتغييرات المطلوبة في المناهج الدراسية لكي يصلح المتخرجين لسوق العمل المتحول بسرعة هائلة  وهي مناقشات وصراعات ضرورية ساهمت فيها في كل البلاد المنظمات النقابية التمثيلية للعاملين وكذلك تتضمن العاملين والدولة وأولياء الأمور في عملية تعليمية أساسها تأهيل المنشئات المدرسية والجامعات وأساليب إدارتها والمخصصات اللازمة لذلك على صعيد ميزانية الدولة.
 في الوضع الجديد ليس الأمر كذلك فالعملية التعليمية أصبحت متخطية للحدود الوطنية بسرعة مهولة عبر الأنترنات و إستخدام الكمبيوتر الشخصي و الهواتف الذكية و تغيرت جوهريا المؤهلات المفترضة لتلبية متطلبات سوق العمل المُعولم وفي هذه المرحلة فإن المنفصلين عن التكيف مع هذه الشروط أصبحوا مستبعدين من الإختيارات ليتحولوا لبطالة مُعَممة.
المدرسة والجامعة لم تكونا فقط للتعلم والتدريب إنها مؤسسات هامة للدمج الإجتماعي وتأهيل المواطنين عبر إحتكاك الطلاب القادمين من جهات مختلفة ومواقع إجتماعية متنوعة ومجالات ثقافية ليست متطابقة ليصبحوا أعضاء في مجتمع متناغم.
الإرتباط بالتعليم المستمر عن بعد عبر الأدوات الرقمية الحديثة كما الإرتباط بالإقتصاد والتجارة العالميين ليس خيارآ من ضمن خيارات عديدة أخرى بل هو ضرورة حيوية للحفاظ على إزدهار المجتمعات ونماءها و تطوير ثروتها البشرية.
الحقيبة المدرسية المحملة بالكتب و الكراريس لم تعد ضرورية للتلميذ و الطالب المعاصر وسيحل محلها لوحة رقمية تتصل عبر الأنترنات بمواقع معلومات رقمية عليها ما يلزم تعلمه ، والأساتذة والمعلمين لن يحضروا مع التلاميذ والطلاب على عين المكان في المدرسة والجامعة في المستقبل.
التعليم والعمل عن بعد أصبحا من متطلبات المرحلة الرقمية.
هذا المسار الإجباري سيكون له بالطبع آثار سلبية خطيرة ومعقدة فالعالم عاش مع المدرسة التى نعرفها لقرنين من الزمان – على الأقل – وبنى حولها وبها مؤسسات ووظائف وشخصيات وحتى أساطير مُلهمة لكن كل ماله بداية له نهاية وعلينا أن نناقش هذا التحدي الجديد ونستعد للتغيير والإندماج الإرادي و الواعي مع الادوات والوسائل الرقمية المعاصرة لتطوير التعليم الذي كان دومآ في حالة تغير مستمر لملاحقة التطور العلمي والتكنولوچي والإقتصادي في العالم والذي صار قرية كونية لايمكن الانعزال عنها فالجميع داخلها ولا تقدم بدونها.

مقالات مشابهة

اليوم العالمي للأوزون 2026 : نحو تبريد مستدام يتجاوز إجهاد المكيفات في المنازل والمؤسسات

فريق النشر Echaab News

دموع أب من منزل بوزيان تختصر وجع البطالة والعطش والانتظار

فريق النشر Echaab News

“كوناكت” : دعوة لتخفيض الأداءات والمعاليم الديوانية على تجهيزات الطاقة الشمسية والتخزين

فريق النشر Echaab News