الشعب نيوز/الهادي رشاد حشوش – في قراءة مقابلة لما سبق ( تفاؤل العقل، تشاؤم الإرادة )، تبرز ملامح الوجه الآخر لتقرير البنك الدولي “تونس صيف 2026” أقلّ إشراقًا حيث أن الاقتصاد التونسي لم يدخل بعد مرحلة إقلاع تسمح له بتحويل النمو، على محدوديته، إلى مواطن شغل واستثمار وخاصة إلى تحسن ملحوظ في رفاهية العيش.
تأتي أولى إشارات الإنذار من النمو نفسه. فبعد 2.7% سنة 2025 و2.4% خلال النصف الأول من 2026، لا يتوقع التقرير سوى 2.3% لكامل سنة 2026، ثم معدل 2.1% بين 2027 و2028. وهذه النسب، وإن كانت تعني استمرار النمو، تبقى محدودة جداً بالنسبة إلى اقتصاد يحتاج إلى خلق فرص عمل جديدة، ورفع الإنتاجية، وتمويل الاستثمار، وخاصة امتصاص الوافدين الجدد على سوق الشغل أين تتمظهر هشاشة النمو بوضوح أكبر.
فقد بلغ معدل البطالة 14.9% في الثلاثي الثاني من 2026، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بكل دول المنطقة، فيما بلغت بطالة النساء 21.6%.[…]
حصة الدولة من القروض الصافية للقطاع البنكي: 27.1%

ثم تأتي المالية العمومية التي يتنبأ البنك الدولي بأن تشهد عجزاً في الميزانية يبلغ 6% من الناتج الداخلي سنة 2026، مع حاجيات تمويل إجمالية تصل إلى 27.3 مليار دينار. وبالرغم من أن العجز مرشح للتراجع إلى حدود 4.7% سنة 2028، لكن الطلب على التمويل يظل مرتفعاً، في وقت أصبحت فيه الدولة تعتمد بصورة متزايدة وشبه حصرية على السوق المالية الداخلية. وهنا تبرز حدود هذا التمشي، أي أساسا في مزاحمة (éviction) الدولة للقطاع الخاص على طلب التمويل.
فقد ارتفعت حصة الدولة من القروض الصافية للقطاع البنكي إلى 27.1% في أفريل 2026، بينما لم يتجاوز نمو القروض الموجهة إلى الاقتصاد الفعلي والخالق للقيمة 3.6% خلال سنة 2025. وبذلك، حدّت الدولة، بلجوئها إلى هذه الآلية لتمويل عجزها، من فرص تمويل المؤسسات والاستثمار الخاص على حدّ سواء. يسجل كذلك البنك الدولي بالتوازي استمرار ضعف الاستثمار والإنتاجية والتنافسية، ويشير إلى أن عوائق المنافسة، ومحدودية الولوج إلى خطوط التمويل، وتضارب بعض السياسات العمومية خاصة في ميدان الجباية، وضعف إدماج النساء في سوق الشغل، كلها عوامل موضوعية تحد من قدرة الاقتصاد على رفع طاقته الإنتاجية كمّا وكيفا. كما أن النمو يخفي تفاوتاً واضحاً بين مختلف القطاعات، بما يجعل التعافي أقل ترسخا واستقرارا مما قد يوحي به رقم النمو الإجمالي.

خارجيا، ارتفع العجز الطاقي بنسبة 30% خلال النصف الأول من 2026، وانعكس ذلك على الحساب الجاري الذي اتسع عجزه بنسبة 49% مقارنة بالفترة نفسها من 2025. يتطلع البنك الدولي لتحسن تدريجي لهذا العجز إلى حدود 3.1% من الناتج في 2028، لكن هذا التحسن يبقى مشروطاً أساسا بتراجع أسعار النفط أي من فرضيات خارج نطاق القرار الوطني.
الدين العمومي : نحو 84.2%
وتظل المديونية بدورها وازنة بشدّة. فالدين العمومي يُقدّر بنحو 84.2% من الناتج في 2026، قبل أن يتراجع تدريجياً إلى 81.9% في 2028. والانخفاض المتوقع إيجابي في اتجاهه، لكنه لا يلغي كون نقطة الانطلاق مرتفعة جدا، وأن خدمة الدين وحاجيات إعادة التمويل تستهلك جزءاً مهماً من الموارد التي كان يمكن أن تتجه إلى الاستثمار وإلى البنية التحتية والمشاريع الكبرى الملحة.
حتى التضخم، الذي حققت تونس في شأنه تحسنا واضحاً مقارنة بذروة السنوات الماضية، لا يمكن اعتباره ملفاً مغلقاً. فقد استقر عند 5.1% في جويلية 2026، فيما ارتفعت الكتلة النقدية بنحو 10% سنة 2025، مدفوعة أساساً بتوسع تمويل الدولة. ولذلك يحذر التقرير من استمرار الضغوط التضخمية ومن مخاطر انتقالها إلى الاقتصاد الحقيقي وإثقال كاهل المستهلكين للسلع والخدمات الأساسية.
—–
*مختصر ثان من مقال مطول يمكن قراءته كاملا في عدد الشعب الورقية عدد 1920 المؤرخ في 1 اكتوبر 2026 أو على صفحة الكاتب في موقع فايسبوك.
