28.5 C
تونس
4 أكتوبر، 2026 15:44
جريدة الشعب نيوز
وثائقيوطني

تقرير البنك الدولي تونس صيف 2026(3): رسالة من تحت (خط شح) الماء

الشعب نيوز/ الهادي رشاد حشوش –  
أبرز تقرير البنك الدولي صيف تونس 2026 أن الماء لم يعد مجرد معادلة إيكولوجية، بل أصبح أحد القيود الرئيسية على النمو الاقتصادي والتشغيل في تونس. فحصة الفرد من المياه العذبة المتجددة لا تتجاوز حالياً نحو 380 متر مكعب (م3) سنوياً، أي أقل بكثير من عتبة الندرة المائية المقدرة بـ 500 م3، فيما قد تنخفض إلى ما بين 120 و210 م3 بحلول 2050. وتحتل تونس المرتبة 23 عالمياً في مؤشر الإجهاد المائي، مع احتمال بلوغها المراتب 10 إلى 12 خلال الخمسين سنة القادمة. […]
طبيعيا، كان لذلك تبعات على اليد العاملة التي تشغل منها الزراعة زهاء 14%، وتصل إلى نصف قوة العمل في المناطق الريفية، بينما يعتمد جزء مهم من السياحة والصناعات الغذائية وغيرها من الأنشطة الاقتصادية على إمدادات مائية كبيرة.
ما العمل والمالية العمومية تواجه قيودا؟
في المجمل، يرى البنك الدولي أن غياب التدخل الكافي قد يؤدي إلى خسارة تصل إلى 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2050، مع تراجع كبير في القيمة المضافة الفلاحية وفقدان جزء مهم من مواطن الشغل الزراعية.
يستند التقرير في تحاليله لاستراتيجية “مياه تونس 2050” التي صاغتها الحكومة التونسية منذ 2019، بدعم من شركائها في التنمية، ولا سيما البنك الإفريقي للتنمية والصندوق الإفريقي للمياه وبنك الإعمار الألماني، بناء على معطيين: وصول المنظومة المائية بصيغتها الحالية إلى أقصى حدودها، وبداية ظهور مؤشرات الهشاشة وتزايد المخاطر وبدء تجلي أثر التغيرات المناخية.
تتضمن الإستراتيجية برامج واسعة واستثمارات مقدرة بـ 74.5 مليار دينار إلى أفق 2050 متمركزة حول تطوير الموارد، تحسين شبكات التوزيع، رسكلة المياه المعالجة، التحلية والطاقات المتجددة.
لكن الرقم نفسه يكشف حجم التحدي، فالبنك الدولي يقدّر حاجيات الاستثمار في القطاع بحوالي 900 مليون دولار سنوياً. وفي الوقت الذي تتطلب فيه الاستراتيجية استثمارات مستقرة ومتواصلة لعقود، تواجه المالية العمومية قيوداً كبيرة. ولذلك يبقى “الفيل الذي في الغرفة”: من سيموّل ذلك، وكيف سيُموّل، ومن سيضمن استمرارية هذا التمويل وتنفيذ هذه الخطة لربع قرن؟[…]
وتزداد المفارقة وضوحاً في الوضع المالي للمؤسسات المتداخلة في القطاع المائي (الصوناد، ديون التطهير،..)، حيث تؤدي محدودية الموارد (عوامل تحد من قدرة الاقتصاد على رفع طاقته كمّا وكيفا) والصعوبات الهيكلية والخسائر المتراكمة إلى ضعف الصيانة والاستثمار، بما يخلق حلقة مفرغة: شبكات تتدهور، مياه تُهدر، كلفة تتزايد، واستثمارات تصبح أكثر إلحاحاً وكلفة. كما يرى البنك الدولي أن الإطار المؤسساتي والقانوني الحالي لم يعد ملائماً بالكامل لإدارة ندرة مائية متزايدة التعقيد.[…]
 قائمة أولية في الحلول ولكن.
فيما يخص الحلول، لا يختزلها التقرير في بناء المزيد من السدود، بل يدعو إلى ترشيد الطلب على الماء بالتوازي مع تطوير العرض: تقليص ضياع الشبكات، تحسين كفاءة الري، الحد من الاستغلال المفرط للمياه الجوفية، وتوسيع استعمال المياه المعالجة والتحلية باعتبارهما موردين لا يستنزفان المياه المتوفرة طبيعيا. كما يقترح تحسين الاستدامة المالية لمؤسسات القطاع، ومراجعة تدريجية لنظام التعريفات مع حماية الفئات الهشة، وتعبئة استثمارات بالشراكة مع القطاع الخاص في ما أصبح يعرف “بالاقتصاد الأزرق” حيث يمكن أن تكون مجدية، بالتوازي مع تحديث الإطار القانوني وتعزيز الحوكمة والتنسيق بين جميع المؤسسات المتداخلة.
هذه المقاربة، على بساطتها، تتطلب في المقابل خيارات مالية واجتماعية ومؤسساتية صعبة وحساسة أحيانا، وتحتاج إلى استمرارية تتجاوز بكثير دورة برلمانية أو ميزانية سنوية واحدة والأهم من ذلك فهي تحتاج إلى مناخ من الشفافية والمصارحة بين جميع المتداخلين.
وهنا يكمن التباين الجوهري الذي يتجاوز الماء نفسه، فالسلطة تدرك مليّا حجم تحدياتها ومواطن الخلل والإخلال في شتّى القطاعات. كما تراكمت الدراسات والكتب البيضاء والزرقاء والقزوردية والحمراء والورقات التوجيهية والمخططات الخماسية والعشارية على رفوف الأرشيف الوطني وعُقدت جلسات ماراطونية للجان العليا والسفلى والوسطى ومتعددة الأحجام، والمجالس المحلية والجهوية والوطنية والمنتديات والسيمنارات والأيام البحثية والملتقيات. لكن تنزيل كل ذلك في الواقع بقي محتشما في أحسن الحالات.
—
*مختصر ثالث من مقال مطول يمكن قراءته كاملا في عدد الشعب الورقية عدد 1920 المؤرخ في 1 اكتوبر 2026 أو على صفحة الكاتب في موقع فايسبوك

مقالات مشابهة

الحوار ليس منّة من احد والتسيير الأحادي يفاقم الإشكاليات العمالية

فريق النشر

مزيد تفقير وتهميش الطبقات الفقيرة نتيجة ضرب الحوار

فريق النشر

تونس صيف 2026(2):  عوامل تحد من قدرة الاقتصاد على رفع طاقته كمّا وكيفا

فريق النشر