25.8 C
تونس
5 أكتوبر، 2026 13:40
جريدة الشعب نيوز
ثقافي

رحلة ثرية للشاعر الشهيد عمر بن عياد إيلاهي

بقلم الكاتب و الأستاذ حسين البوبكري –  تأخّر ميلاد هذا الكتاب كثيرا… تأخّر اصداره سنوات طويلة، رغم أن فكرته بدأت منذ سنة 1994، ورغم أنّ مادته الأساسيّة كانت قد جُمعت منذ ذلك التاريخ وفي كلّ مرّة كنت أرجىء نشره لأسباب مختلفة.

و في مرّات أخرى أجد لهذا التأخير مبرّرا أو عذرا، إلى أن جاء الوقت الذي لم أعد فيه قادرا على تأجيل ما أشعر أنّه دين في ذمّتي تجاه شاعر شهيد، وتجاه ذاكرة جماعيّة كادت أن تفقد جزءا ثمينا من موروثها الشعبي.

إنه كتاب [[ الشاعر الشهيد عمر بن عياد الإيلاهي : رحلة ثريّة و قصيرة لشاعر موهوب .. انتهت باستشهاده في سبيل الوطن . ]] هذا الكتاب هو ثمرة من البحث والسّؤال والاستماع والجمع .

وثمرة جهد بدأ يوم كنت طالبا في الجامعة التونسيّة، استجابة لوعد قطعته لأستاذي العزيز الدكتور حفناوي عمايريّة.

ففي سبتمبر 1991، وأثناء اجرائي اختبارا شفويا للقبول في شعبة التنشيط الثقافي، حدّثني أستاذي عن الشاعر عمر بن عيّاد، وعن شعره ومكانته في ذاكرة معاصريه.

وطلب منّي أن أجمع ما بقي من مأثوره الشفوي، وأن أنقذه من الشتات والضياع و الاندثار.

وعدته يومها بأن أفعل، ولم أكن أدرك أنّ ذلك الوعد سيتحوّل، بعد سنوات إلى مسؤوليّة ثقافيّة وأخلاقيّة تلازمني إلى أن يرى هذا الكتاب النور.

وبالفعل، بدأت سنة 1994 رحلة الجمع. فكانت المهمّة شاقة … و زمنها كان شعر عمر بن عيّاد محفوظا في صدور الرّواة والمعاصرين له ، يتناقله الناس مشافهة، وتحفظه الذّاكرة الشعبيّة جيلا بعد جيل.

تنقلت، وسألت، واستقصيت، وجلست إلى روّاة ثقات عايشوا الشاعر أو حفظوا شعره.

وجمعت منهم ما استطعت من قصائده ومأثورِه الشعبي.

كان ذلك بمساعدة عدد كبير من معاصري الشاعر وكلّّ من آمن بأهميّة صون و انقاذ هذا التراث اللاّمادي من الضياع. و كانت حصيلة ذلك الجهد أكثر من ثمانين قصيدة موزّعة على شتّى الأغراض الشعريّة، جُمعت في زمن لم تكن فيه وسائل التوثيق متاحة كما هي اليوم، وفي ظروف جعلت من عمليّة الجمع نفسها عملا شاقا ، يحتاج إلى الصبر والدقة والتحقـّق والمقارنة بين الرّوايات.

وقد كنت أعتقد أن ما جمعته سيجد طريقه إلى النشر في وقت أقرب، لكن السنوات مضت، وظلّ الكتاب مؤجّلا… غير أن هناك سببا آخر، وربّما كان السبب الأشدّ اِلحاحا، دفعني أخيرا إلى وضع حدّ لهذا التأخير.

فقد أصبحت، مع مرور الوقت، أطلع على معلومات مغلوطة حول الشاعر الشهيد وحول قصائده.

وأسمع أبياتا من شعره تُنسب إلى غيره، وأخرى تتداول دون الإشارة إلى صاحبها. بل إن بعض أبياته تعرّضت في مناسبات مختلفة للاقتطاع أو التغيير أو إعادة الصّياغة أو التداول خارج سياقها، بما جعلني أشعر أنّ استمرار تأجيل النشر قد يؤدّي عن غير قصد إلى ضياع الحقيقة الشعريّة والتاريخيّة لهذا الرّجل – الشاعر الشهيد- .

ولا أخفي أنّ الأمر بلغ بي حدّ الشعور بالتقصير… فقد كنت أملك مادة جمعتها منذ سنوات، وأعرف أنّ من واجبي أن أضعها بين أيدي القرّاء و المهتمين ، حتى تكون مرجعا أوليّا يمكن الاستئناس به عند الحديث عن عمر بن عيّاد وشعره.

لقد سبق لي أن منحت نسخا من بعض القصائد إلى أصدقاء وباحثين ومهتمّين بالتراث، رغبة منّي في أن يطّلعوا على هذا الموروث وأن يستفيدوا منه. ولم يكن في ذلك يومها سوى حسن النية والرغبة في خدمة الذاكرة الشعبيّة.

لكن بمرور الزمن، وبتداول تلك القصائد بطرق مختلفة، جعلني أخشى أن تكون بعض النصوص قد تعرّضت للنسخ أو التغيير أو الإضافة أو النسبة الخاطئة، وأن يبتعد الموروث شيئا فشيئا، عن أصله ومصدره. ومن هنا، لم يعد نشر هذا الكتاب مجرد رغبة مؤجلة، بل أصبح ضرورة.

انها ضرورة لحفظ ما أمكن حفظه من شعر شاعر شهيد . كما هي ضرورة لإتاحة و عرض هذا الموروث للباحثين والمهتمين. وضرورة أهم و هي لوضع حدّ للالتباس الذي بدأ يحيط ببعض قصائده وأبياته.

و هنا لا أدّعي أنّ هذا الكتاب قد أحاط بكل ما نظمه المرحوم عمر بن عيّاد، ولكن أعتقد أنه يمثل العصارة الممكنة في جمع شعره وتوثيقه .

فالموروث الشفوي بطبيعته قابل لاختلاف الروايات وتعدّد الصيغ.

و هنا أضع بين أيدي القرّاء ما تمكّنت من جمعه وتثبيته خلال سنوات، اعتمادا على رواة ومعاصرين للشاعر، وعلى ما حفظته الذاكرة الشعبية من قصائده.وهكذا و بصدور هذا الكتاب أكون قد أتممت بعد أكثر من ثلاثة عقود، المهمّة التي بدأت أولى خطواتها سنة 1994، حين كنت طالبا في الجامعة التونسية، وفاءً لوعد قطعته لأستاذي حفناوي عمايرية، و وفاءً أيضا لذاكرة رجل ترك في وجدان من عرفوه شعرا وموقفا وحضورا. ثمّ اِرتقى شهيدا في معركة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي للبلاد التونسية.

وبقي شعره شاهدا عليه. واليوم، وأنا أضع هذا الكتاب بين أيديكم، أشعر أنني أغلقت صفحة من الانتظار . وأنجزت ما كان ينبغي أن أنجزه منذ زمن. إليكم هذا الكتاب…أضعه بين أيديكم باعتباره مدخلا أوليّا متاحا للجميع إلى عالم هذا الشاعر الشهيد .

وإلى ما بقي من مأثوره الشعبي، على أمل أن يفتح الطريق أمام دراسات وأعمال أخرى تتناول حياته وشعره وسياقه التاريخي والثقافي، وأن تتوالى الاصدارات التي تسهم في انصافه وابراز مكانته في الذاكرة الشعبيّة.

لقد كان هدفي منذ البداية بسيطا وواضحا وهو أن أنقذ ما يمكن انقاذه من الاندثار. وأن أحفظ ما بقي في صدور الحفظة قبل أن تأخذه السّنون.

وأن أقول لقارىء اليوم و للأجيال القادمة. هذه أشعار عمر بن عيّاد… و هذا جزء من ذاكرة معاصريه الذين حفظوه و تناقلوه و رووه.

وإن كان هذا الكتاب قد تأخر، فقد آن له أخيرا أن يصل إلى القارئ.. إنّه بين أياديكم اليوم.

مقالات مشابهة

إنطلاق المهرجان الدولي لمسرح الشارع ببنزرت

فريق النشر Echaab News

سبع مسرحيات في التياترو

فريق النشر Echaab News

جندوبة : الدورة الثالثة لتظاهرة ” سينما جات “

فريق النشر Echaab News