27.2 C
تونس
11 أكتوبر، 2026 16:10
جريدة الشعب نيوز
آراء حرةدولي

تلمذيات فرنسا: تعبير واع متنامٍ بأن التربية والتعليم قضية مجتمعية تتصل بالمستقبل

شاءت الصدف ان اكون موجودة باحد المدن الفرنسية زمن انطلاقة التحركات الاحتجاجية التلمذية وشاهدت الكثافة الامنية لمحاصرتها واستمعت للعديد من التلاميذ وقرات الشعارات التي يرفعونها …أأكد أن التحركات التلمذية الأخيرة في فرنسا ليست مجرّد احتجاجات شبابية عابرة ولا هي مطالب قطاعية معزولة عن واقع المجتمع بل هي تعبير عن وعي متنامٍ بأن التربية والتعليم ليسا شأنًا إداريًا يهمّ وزارة التربية وحدها وإنما قضية مجتمعية تتصل بمستقبل الأجيال وبقدرة المجتمع على تحقيق التقدم والعدالة وتكافؤ الفرص…
لقد رفع التلاميذ أصواتهم مطالبين بتحسين ظروف التعلّم والعناية بالمؤسسات التربوية العمومية وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات الضرورية حتى تكون المدرسة فضاءً لائقًا بالمعرفة وقادرًا على الاستجابة لحاجات المتعلمين وتطلعاتهم.
ومن بين الرسائل التي عبّرت عنها تحركاتهم الدعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات في توزيع الموارد العمومية بما يجعل الاستثمار في التعليم العمومي أولوية لا تقلّ أهمية عن الإنفاق على الحروب والتسلّح.
واللافت في هذا الحراك أنّه لم يبق حبيس أسوار المؤسسات التربوية بل اتّسع ليشمل مدنًا وفئات اجتماعية مختلفة والتحق به الطلبة وساندته نقابات عمالية وأحزاب ومنظمات مدنية كما انضمّ الأولياء إلى أبنائهم دفاعًا عن مطالبهم دون أن يصادروا حقهم في التعبير والمبادرة. وهكذا تحوّل الاحتجاج التلمذي من حركة مطلبية إلى نقاش مجتمعي أوسع حول واقع المدرسة العمومية ومستقبلها.
الدفاع عن المدرسة العمومية مسؤولية ؟
وفي هذا الامتداد تتجسّد دلالة نقابية واجتماعية عميقة إنّ الدفاع عن المدرسة العمومية ليس مسؤولية المربين وحدهم بل هو مسؤولية جماعية تتقاطع فيها مصالح التلاميذ والطلبة والأسر والعمال وسائر مكونات المجتمع. فالمدرسة العمومية ليست مجرّد مؤسسة لنقل المعارف وإنما هي أيضًا أداة للارتقاء الاجتماعي وضمان لتكافؤ الفرص ورافعة لبناء مواطن حرّ وقادر على المشاركة في الحياة العامة. ومن هنا تكتسب مساندة النقابات لهذه التحركات معنى يتجاوز التضامن الظرفي لتعبّر عن وحدة المصير بين النضال من أجل الحقوق الاجتماعية والنضال من أجل الحق في تعليم جيد.
وككلّ حراك احتجاجي واجهت التحركات تدخلات أمنية وإيقافات تحت مبررات حماية الممتلكات العامة والخاصة والتصدّي للتجاوزات.
غير أنّ حماية الممتلكات لا ينبغي أن تتحوّل إلى ذريعة لحجب المطالب المشروعة أو اختزال الحراك في مظاهر الفوضى مثلما لا يجوز تجاهل ضرورة احترام القانون وحماية الأشخاص والممتلكات. فالمسؤولية السياسية تقتضي التمييز بين الاحتجاج السلمي والتجاوزات الفردية، وبين معالجة أسباب الغضب ومحاولة إسكات أصوات المحتجين.
ومن الرسائل المهمة التي يبعث بها هذا الحراك أنّ المطالب الاجتماعية والتربوية قادرة على فرض نفسها في النقاش العام متى تجاوزت حدود الفئات المعنية مباشرة بها ومتى وجدت من يصغي إليها ويدافع عنها. كما أنّ التعامل مع الاحتجاجات لا يُقاس فقط بمدى قدرة السلطة على استعادة الهدوء بل أيضًا بمدى استعدادها لفهم أسباب الغضب وفتح حوار جدي حول المطالب وتحويل الوعود إلى سياسات وإجراءات ملموسة.
,
لا شيء يعوّض إصلاح البرامج والمناهج
لكنّ ما يحدث في فرنسا يدفعنا بالضرورة إلى النظر في واقعنا التربوي في تونس. فإذا كان المجتمع الفرنسي يفتح النقاش حول جودة مدرسته العمومية رغم ما تحقق فيها من إمكانات ومكاسب فكيف لا نجعل من أزمة منظومتنا التربوية أولوية وطنية ونحن نعاين منذ سنوات ما أصابها من اختلالات وتراجع في قدرتها على أداء وظائفها التعليمية والاجتماعية؟
إنّ المقارنة هنا ليست مفاضلة بين مجتمعين ولا إنكارًا للصعوبات التي تواجه المدرسة الفرنسية بل هي دعوة إلى مساءلة أولوياتنا.
فمدرستنا العمومية تعاني مشكلات متراكمة تتصل بالبنية التحتية ونقص الموارد والتجهيزات وظروف عمل المربين وتراجع جاذبية المدرسة واتساع الفوارق بين المتعلمين فضلًا عن تعثّر الإصلاحات وغياب رؤية متكاملة تعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بالحلول الظرفية والإجراءات الجزئية.
والمفارقة أنّنا بدل فتح حوار وطني جدي حول مستقبل المدرسة العمومية كثيرًا ما ننشغل بإجراءات لا تمسّ جوهر الأزمة وكأنّ تنظيم حركة التلاميذ داخل المؤسسات التربوية أو منعهم من مغادرتها خلال فترات الراحة والساعات الشاغرة يمكن أن يكون وصفة سحرية لإنقاذ التعليم!
إنّ الانضباط ضروري لكنّه لا يعوّض إصلاح البرامج والمناهج والتوقيت المدرسي وتحسين ظروف التعلّم وتوفير الموارد البشرية وتأهيل المؤسسات واستعادة الثقة بين المدرسة والأسرة والمجتمع.
تطبيع تطبيع
اري أنّ أخطر ما يهدّد منظومتنا التربوية ليس فقط ما تعانيه من نقص في الإمكانات بل أيضًا تطبيعنا مع أزمتها والتعامل معها باعتبارها واقعًا لا يمكن تغييره. فحين يتراجع التعليم لا نخسر نتائج مدرسية فحسب بل نخسر إحدى أهم أدوات العدالة الاجتماعية ونوسّع الفوارق بين أبناء المجتمع ونضيّق أمام الشباب فرص بناء مستقبلهم.
ومن هذا المنطلق فإنّ الرسالة التي يبعث بها تلاميذ فرنسا إلينا لا تتمثّل في تقليد أشكال احتجاجهم بل في استعادة السؤال الذي ينبغي أن يكون في صدارة اهتماماتنا أيّ مدرسة نريد ولأيّ مجتمع نعمل؟ وهل يمكن الحديث عن التنمية والعدالة الاجتماعية والمواطنة الفاعلة من دون تعليم عمومي جيد ومتاح للجميع؟
إنّ إصلاح التعليم ليس ملفًا تقنيًا يُترك للخبراء والإدارات وحدهم ولا شأنًا قطاعيًا يُحصر في مطالب المربين بل هو خيار مجتمعي وسياسي يستوجب مشاركة التلاميذ والطلبة والأولياء والمربين والنقابات والمنظمات والأحزاب في إطار حوار وطني مسؤول يحدّد الأولويات والموارد والآجال وآليات التنفيذ والتقييم.
صوت الشباب ليس عبئًا
لقد ذكّرنا تلاميذ فرنسا بأنّ المدرسة العمومية تستحق أن يدافع عنها المجتمع بأسره وأنّ صوت الشباب ليس عبئًا على الدولة بل يمكن أن يكون جرس إنذار يدعوها إلى مراجعة سياساتها. أمّا في تونس فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو ماذا سيحدث لو عاد تلاميذنا وطلبتنا إلى واجهة النضال من أجل مدرسة عمومية تليق بهم وتفتح أمامهم آفاق المعرفة والحرية والمستقبل؟
إنّ الدفاع عن المدرسة العمومية هو دفاع عن حقّ الأجيال في مستقبل أفضل. والمدرسة التي لا نصلحها اليوم سندفع غدًا ثمن تراجعها اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا.
ولعلّ السؤال الذي يظلّ معلّقًا في انتظار إجابة جدية هو هل نملك الإرادة السياسية لنجعل من إصلاح التعليم أولوية وطنية أم سنواصل تأجيل المسألة إلى أن يصبح الإصلاح أكثر كلفة وتعقيدًا..؟
سهام بوستة
9 اكتوبر 2026
—-
 * العناوين الرئيسي والفرعية من اقتراح فريق النشر.

مقالات مشابهة

ما السرّ الذي يجعل مواطنا يمنيا يفخر ويعتزّ بما يقوم به الحوثيون؟

فريق النشر

تأجيل الإنتخابات الفلسطينية يثير انتقادات الجبهة الديمقراطية

فريق النشر Echaab News

54% من الفرنسيين يؤيدون احتجاجات تلاميذ الثانويات

فريق النشر Echaab News