الشعب نيوز / صبري الزغيدي – في إطار تشخيص واقع العمل والظروف المهنية والاجتماعية داخل المستشفى الجامعي الهادي شاكر بصفاقس، عقد المكتب النقابي بالمؤسسة، خلال الفترة الممتدة من 21 سبتمبر إلى 9 أكتوبر 2026، سلسلة من الاجتماعات مع أعوان وإطارات مختلف الأقسام والوحدات الاستشفائية والإدارية والفنية، استجابة لطلب الزميلات والزملاء، وذلك لتدارس ما آلت إليه ظروف العمل والتراجع الخطير في مقومات تقديم الخدمات الصحية داخل مؤسسة تعد من أبرز المؤسسات الاستشفائية المرجعية بالجنوب التونسي، فضلا عن مكانتها ضمن المنظومة الصحية والبحثية على المستوى الوطني.
ومثلت هذه اللقاءات فرصة لتشخيص الإشكاليات المطروحة على مستوى مختلف الأقسام والوحدات، وضبط المطالب المهنية والاجتماعية المشتركة بين العاملين، إلى جانب المطالب الخصوصية المرتبطة بطبيعة العمل في كل مصلحة، في ظل ما يشهده المستشفى من نقص في الموارد البشرية والمادية، وأزمة مالية متفاقمة، وتراجع في ظروف السلامة والحماية المهنية.

نقص الأعوان والتجهيزات وأزمة مالية خانقة
أبرزت الاجتماعات وجود نقص حاد في الأعوان والإطارات بمختلف المصالح الاستشفائية والفنية والإدارية، مقارنة بحجم المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتقهم، وهو ما يجعل بعض مواقع العمل في حاجة إلى تدعيم مواردها البشرية بما يعادل ثلث العدد المتوفر أو نصفه، لضمان الحد الأدنى من حسن سير العمل وتأمين الخدمات الصحية.
كما تعاني مختلف مواقع العمل من نقص فادح في المعدات والأدوات الضرورية، بما يؤثر في سير الأنشطة الاستشفائية وقدرة الفرق الطبية وشبه الطبية والفنية على تقديم العلاجات وإجراء التحاليل البيولوجية والفحوصات الإشعاعية والوظيفية في ظروف ملائمة.
وفي ما يتعلق بالوضعية المالية للمؤسسة، أرجع المكتب النقابي جانباً أساسياً من الأزمة إلى التأخير المتواصل في توفير السيولة المالية عبر صندوق دعم الصحة العمومية، وعدم إيفاء الصندوق الوطني للتأمين على المرض بالتزاماته المالية تجاه المستشفى، وخاصة في ما يتعلق بتغطية نفقات العلاج المجاني وعلاج منظوري الصناديق الاجتماعية، إلى جانب نفقات القسطرة وزرع الأعضاء وتصفية الدم والعلاجات الكيميائية وغيرها من الخدمات.
وقد أدى تراكم الديون غير المستخلصة على امتداد سنوات إلى انعكاسات مباشرة على التزامات المؤسسة تجاه أعوانها ومزوديها، من خلال التأخير في صرف بعض المنح، ومنها منحة العمل الليلي ومنح الأعياد الوطنية والدينية والساعات الإضافية، فضلا عن عدم خلاص المزودين وإلغاء بعض الصفقات وتعطيل إنجاز المشاريع، وتراجع التزود بالمواد الأولية ومواد التنظيف ومستلزمات إعاشة المرضى.
و أشار المكتب النقابي كذلك إلى العراقيل الإدارية والبيروقراطية التي تعترض قبول الهبات المقدمة للمستشفى، سواء كانت تجهيزات أو معدات أو عربات، معتبرا أن هذه الإجراءات ساهمت في تعميق الصعوبات التي تواجه عددا من الوحدات، خاصة مصالح الاستكشاف والتصوير الطبي والتحاليل البيولوجية وبعض الأقسام الاستشفائية.
نقل الأقسام وإعادة البناء يزيدان من معاناة الأعوان والمرضى
و توقف المكتب النقابي عند تداعيات القرار المتخذ من قبل سلطة الإشراف في سبتمبر 2024، والقاضي بنقل ثلاثة أقسام استشفائية إلى المستشفى العسكري، بالتزامن مع الشروع في إعادة تشييد المبنى الرئيسي للمؤسسة.
و اعتبر أن هذه الوضعية زادت من تعقيد ظروف العمل، وأثقلت كاهل الأعوان والمرضى على حد سواء، بالنظر إلى صعوبات التنقل ونقل الأدوية والمستلزمات العلاجية ومواد التنظيف، وتأمين وجبات المرضى، فضلا عن نقلهم لإجراء الفحوصات التكميلية. كما أشار إلى أن أعوان قسم الطب النفسي «ج» يواجهون بدورهم ظروفا صعبة ومشابهة، تضاف إليها خصوصيات العمل داخل هذا الاختصاص.
الصحن الفني : تدهور التجهيزات وغياب وسائل الحماية
شملت الإشكاليات المطروحة مصالح الصحن الفني، بما فيها التصوير الطبي ومخبر الدمويات ومخبر البيوكيمياء وعلم المناعة وعلم الوراثة وعلم السموميات والمخبر الجهوي وقاعة أخذ العينات.
إلى جانب النقص الحاد في الموارد البشرية، يعاني العاملون بهذه المصالح من اهتراء المعدات والآلات وتدهور البنية التحتية، فضلا عن النقص الخطير في وسائل السلامة والحماية البيولوجية والوقاية من الأشعة والمواد الخطرة.
وسجل المكتب النقابي ما يبذله الأعوان من مجهودات استثنائية للمحافظة على استمرارية العمل، وصلت في بعض الحالات إلى شراء مستلزمات ضرورية لتحضير أوساط الاستزراع البيولوجي وصناعتها في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية، مع غياب أو نقص الأقنعة الواقية من الغازات السامة والقفازات المناسبة للتعامل مع المواد المؤكسدة.
واعتبر أن استمرار هذه الظروف يمثل خطرا على سلامة الأعوان ويهدد جودة الخدمات المقدمة للمرضى، فضلا عما يترتب عنه من ضغوطات مهنية واجتماعية ومسؤوليات قانونية.
أقسام الأم والطفل أمام ضغوط متزايدة
وفي ما يتعلق بأقسام ووحدات الأم والطفل، ومنها طب الرضع والنساء والتوليد وأقسام الأطفال وأعصاب الأطفال والطب النفسي للأطفال وتصفية الدم للأطفال وإنعاش الأطفال وجراحة الأطفال، نبه المكتب النقابي إلى خطورة الوضع الذي باتت تعيشه هذه المصالح، رغم ما يبذله أعوانها وإطاراتها من جهود متواصلة في ظل محدودية الإمكانيات البشرية والمادية.
وتتجاوز أعداد المرضى في بعض الحالات طاقة الاستيعاب المتاحة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة، بالتزامن مع تزايد أعداد الأطفال الذين تتم إعادتهم إلى المستشفى، خاصة خلال مواسم التهاب القصيبات الهوائية، وتدهور البنية التحتية، وطول فترات انتظار مواعيد العمليات الجراحية بالنسبة إلى النساء.
كما أشار المكتب النقابي إلى تحويل أعداد كبيرة من حديثي الولادة من القطاع الخاص إلى قسم طب الولدان، وارتفاع أعداد المرضى المترددين على قسمي الطب النفسي للأطفال وأعصاب الأطفال، إلى جانب الحاجة إلى توفير الأساور الإلكترونية للأطفال والنساء المقيمين، بما يسمح بمراقبة الدخول إلى الأقسام والخروج منها، وصعوبة استيعاب جميع المرافقين في ظل الإمكانيات الحالية.
وأكد أن تضافر هذه العوامل بات يشكل خطرا جديا على استمرارية الخدمات الصحية داخل هذه الأقسام الاستراتيجية، ويستوجب تدخلا عاجلا لتوفير الموارد البشرية والتجهيزات وتحسين ظروف الاستقبال والعلاج.
الفنيون الساميون والقوابل بين مخاطر المهنة وضغوط المسؤولية
ورغم اشتراك الفنيين الساميين والقوابل مع بقية الأعوان في جملة الصعوبات العامة، فإن خصوصية مهامهم وندرة اختصاصاتهم تزيدان من حجم الضغوط المسلطة عليهم.
فهم يواجهون مخاطر مهنية متعددة أثناء أداء واجباتهم، كما يجدون أنفسهم في بعض الحالات عرضة للمساءلة القضائية بسبب ظروف العمل والمسؤوليات المرتبطة به، في وقت تشهد فيه الإمكانيات المادية والتجهيزات الموضوعة على ذمتهم تراجعا يؤثر مباشرة في ظروف العلاج وسلامة المرضى.
أقسام الطب النفسي: مسؤوليات مضاعفة في غياب الحماية
وسلطت الاجتماعات الضوء على الصعوبات التي يواجهها أعوان أقسام الطب النفسي، بالنظر إلى خصوصية المرضى المقيمين وطبيعة المسؤوليات الملقاة على عاتق العاملين بهذه المصالح.
فإلى جانب المهام العلاجية، يتحمل الأعوان ضغوطا إضافية تتعلق بهروب بعض المرضى أو الحوادث التي قد تقع داخل الأقسام، في ظل ما وصفه المكتب النقابي بغياب الحماية الكافية من التبعات القانونية المرتبطة بهذه الحالات.
ودعا إلى توفير ظروف عمل ملائمة وإقرار آليات واضحة لحماية الأعوان، بما يضمن التوازن بين مسؤولياتهم المهنية وحقوقهم القانونية، ويحافظ على سلامة المرضى والعاملين على حد سواء.
مخاطر العدوى وعدم تثمين المجهودات في أقسام الاختصاص
وفي أقسام الجهاز الهضمي والجلدية والمفاصل والكلى، نبه المكتب النقابي إلى أن العاملين يواجهون يوميا مخاطر العدوى والتعرض للسوائل البيولوجية والدموية، في ظل تراجع وسائل الحماية والوقاية.
ويأتي ذلك رغم أهمية الأنشطة التي تحتضنها هذه الأقسام، بما فيها وحدات زرع الأعضاء وتصفية الدم والتنظير والعلاجات الكيميائية، فضلا عن الأبحاث التي تجرى في بعضها وتحظى بإشعاع دولي.
كما يضطلع الأعوان، إلى جانب مهامهم الأساسية، بأدوار إضافية في الإحاطة النفسية والاجتماعية بالمرضى ذوي الوضعيات الخصوصية، دون أن يقابل هذا المجهود، وفق ما ورد في تشخيص المكتب النقابي، بالتثمين المهني والاجتماعي المستحق.

أما قسم الصدرية، فتتمثل أبرز إشكالياته، إلى جانب نقص الموارد البشرية والمادية، في التكفل بالمرضى الذين يفتقرون إلى السند العائلي والاجتماعي، وخاصة المهاجرين الذين تستوجب وضعيات بعضهم الإقامة بالمستشفى لأشهر طويلة.
كما تعجز الإمكانيات البشرية المتاحة عن تطوير نشاط وحدات الاستكشاف والتنظير ومواكبة الارتفاع المتواصل في أعداد المرضى المترددين على القسم.

الصيانة والبيوطبية والحراسة والتنظيف والمطبخ : فئات تعاني التهميش
وبخصوص فرق ووحدات الصيانة والبيوطبية، أبرز المكتب النقابي الدور الحيوي الذي تضطلع به هذه الفرق في ضمان استمرارية العمل داخل المستشفى والمحافظة على جاهزية التجهيزات والمنشآت، مشيرا إلى أنها تفتقر، في عدد من الحالات، إلى مقرات وورشات عمل ملائمة، فضلا عن نقص المعدات والأدوات الضرورية، وحرمان أعوانها من فرص التكوين المستمر والزي الوقائي المناسب لطبيعة مهامهم.
كما اعتبر أن أعوان الحراسة والتنظيف والمطبخ من أكثر الفئات تضررا داخل المؤسسة، بسبب تكليفهم بمهام متعددة كلما سجل نقص في بعض الأقسام، إلى جانب تعرضهم المتكرر للتهديد بإعادة التوظيف، وعدم تمتعهم بالترقيات الآلية، ونقص وسائل الحماية وأدوات العمل والمقرات الملائمة، فضلا عن محدودية فرص التكوين المستمر وغياب الحماية القانونية الكافية في عدد من الحالات.

وفي السياق ذاته، أكد المكتب النقابي أن قسم حفظ الصحة الاستشفائية، رغم أهميته الاستراتيجية في الوقاية من العدوى وضمان سلامة المحيط الصحي، لا يزال في حاجة ماسة إلى تدعيم موارده البشرية واللوجستية.
أما المصالح والوحدات الإدارية، فإنها تواجه بدورها نقصا حادا في الأعوان والإمكانيات، فضلا عن انسداد آفاق تطوير الهيكل الوظيفي، في ظل عدم تخصيص الميزانية اللازمة لذلك من قبل رئاسة الحكومة، وهو ما يحد من مرونة العمل الإداري ويعرقل تحسين الأداء والمؤشرات الفنية والمحافظة على التوازنات المالية للمؤسسة.
المكتب النقابي يدعو إلى توحيد الصفوف والدفاع عن الصحة العمومية
وفي ختام سلسلة الاجتماعات، وجه المكتب النقابي بالمستشفى الجامعي الهادي شاكر نداء إلى جميع المناضلات والمناضلين من أجل توحيد الصفوف وترسيخ الوعي الجماعي والارتقاء بالفعل النقابي من ردود الأفعال المتفرقة إلى موقف منظم قادر على الدفاع عن المطالب المهنية والاجتماعية المشروعة.
وأكد ضرورة الالتفاف حول الاتحاد العام التونسي للشغل والتصدي لما اعتبره مخططات تستهدف ضرب الصحة العمومية، من خلال توجيه إمكانياتها ومواردها نحو برامج لا تستجيب، بحسب تقديره، لحاجيات المنظومة الصحية ولا تضيف قيمة فعلية إلى الخدمات المقدمة للمواطنين، في وقت تتفاقم فيه الأزمات الهيكلية داخل المؤسسات العمومية.
واستحضر المكتب النقابي، في هذا الإطار، الانقطاعات المتكررة للكهرباء والماء خلال الصائفة، مشيرا إلى أن ما أبداه أعوان وإطارات الصيانة من يقظة وكفاءة في التعامل مع هذه الوضعيات ساهم في تفادي مخاطر كان من الممكن أن تكون لها تداعيات خطيرة على المرضى وسير الخدمات.
كما شدد على ضرورة مراجعة البرامج والمشاريع المتعلقة بالقطاع الصحي بما يراعي خصوصيات المؤسسات العمومية والجهات وحاجيات متساكنيها، ويضمن الحق في خدمات استشفائية لائقة.
مطالب مهنية واجتماعية عاجلة
وجدد المكتب النقابي تمسكه بجملة من المطالب التي اعتبرها أساسية لإنقاذ المؤسسة وتحسين ظروف العمل، وفي مقدمتها:
– فتح باب الانتدابات في جميع الاختصاصات العلاجية والفنية والإدارية، بما يتناسب مع الحاجيات الفعلية للأقسام والوحدات.
– تطوير أداء المصالح الإدارية والفنية وتوفير التجهيزات والموارد الضرورية لضمان استمرارية الخدمات.
– تثمين الكفاءات والطاقات البشرية من خلال تسوية الوضعيات المهنية وتنظير الشهادات العلمية.
– انتداب الأعوان المتعاقدين والإلغاء الفعلي لجميع أشكال التشغيل الهش.
تسوية وضعية الأعوان الذين تم نقلهم إلى المستشفى العسكري، وتحميل سلطة الإشراف مسؤولية ما يواجهونه من صعوبات.
– العمل على استخلاص ديون المستشفى لدى الصندوق الوطني للتأمين على المرض، بما يساهم في استعادة التوازنات المالية للمؤسسة والوفاء بالتزاماتها.
– تصنيف العمل في قطاع الصحة ضمن المهن الشاقة، مع ترتيب الآثار القانونية والمالية اللازمة.
– إصدار قانون يضمن حماية العون الصحي أثناء أداء مهامه.
– الإفراج عن الترقيات الآلية واستكمال التصنيف الآلي للعملة.
– إدماج أعوان وإطارات السلك المشترك العاملين بوزارة الصحة وتسوية وضعياتهم المهنية.
– الدفاع عن المستشفى العمومي حق جماعي
واختتم المكتب النقابي بيانه بالتأكيد أن المرحلة الراهنة تقتضي رص الصفوف وتوحيد الجهود، معتبرا أن قوة الاتحاد العام التونسي للشغل تستمد من وحدة منخرطيه وتمسكهم بمبادئه وتاريخه النضالي.
ودعا جميع الأعوان والإطارات إلى الاستعداد لخوض النضالات المشروعة دفاعا عن حقوقهم المهنية والاجتماعية، وعن المستشفى العمومي باعتباره مرفقا أساسيا لضمان الحق في الصحة.
وشدد على أن الدفاع عن المستشفى الجامعي الهادي شاكر لا ينفصل عن الدفاع عن حق التونسيات والتونسيين في العلاج المجاني والخدمات الاستشفائية اللائقة، والمتاحة في مختلف الاختصاصات، مؤكدا أن تحسين ظروف العمل وتوفير الموارد البشرية والمادية الضرورية يمثلان شرطين أساسيين لضمان استمرارية المرفق الصحي العمومي والارتقاء بجودة خدماته.

