20.2 C
تونس
12 أكتوبر، 2026 06:28
جريدة الشعب نيوز
وطني

اخلالات أنظمة الجرايات، الاسباب والنتائج

من خلال التطرق الى أوجه عدة تتعلق بمنظومة الضمان الاجتماعي بتونس أمكن رفع بعض الملاحظات الأساسية التي تخص المفاهيم و المصطلحات المستعملة أو المتداولة بصفة غير دقيقة سواء من حيث المرجعيات القانونية و التعريفات المستقاة من النصوص و الصكوك الدولية للمنظمات و الهيئات المختصة .

مصطلحات ومدلولات  
يتم إستعمال مصطلح الحماية الاجتماعية عند توسيع رقعة الحديث لتشمل الخدمات  و التحويلات الاجتماعية التي توظفها الدولة عبر مؤسسات الضمان الاجتماعي أو الهياكل الادارية الاخرى ذات الصبغة الاجتماعية.
أما الضمان الاجتماعي في مدلوله الأصلي فإنه ينحصر أساسا في التأمين الاجتماعي صد مخاطر الحياة من شيخوخة و عجز و مرض و وفاة .و لقد تم التعرض ساقا الى تاريخية منظومة الضمان الاجتماعي بتونس التي تعود الى أكثر من قرن راكمت من خلال تطورها عدة مزايا و خدمات و مكاسب تكرست خاصة بفضل التشريعات الاجتماعية لدولة الاستقلال و التوجه الاجتماعي خلال العشريتين الأولى و الثانية و ما تحقق للترسانة القانونية و الاجرائية لفائدة المضمونين الاجتماعيين و الأجراء تحديدا من خلال مساهمة النقابات في رسم التوجهات الكبرى للسلطة.
و حيث تأسست المنظومة في سياق تاريخي وطني و دولي تسوده أهداف التنمية و مقاومة مظاهر الفقر و البطالة و غايات  صمان الحق في التعليم و الصحة و السكن و النقل فقد تم تنظيم مؤسسات الضمان الاجتماعي على أساس التقسيم بين القطاعين العمومي و الخاص مع بعض التعديلات للتمويل المشترك و المساهماتي..تم إذن إحداث صندوقين في صيغة جديدة يختص كل منهما بقطاع خدمات و انخراط ضمن توجه توزيعي يعتمد على تمويل ذاتي و موارد متأتية من المساهمات المحمولة على المنخرط أو المضمون الاجتماعي مهما كان سلكه أو تصنيفه و كذلك المقتطعات المستوجبة على المشغل عموميا او خاصا حيث مثلت الدولة آنذاك أكبر مشغل في القطاعات مجمعة بما فيها مؤسسات و منشآت عمومية منخرطة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي..

انخرام في الايرادات
بالإضافة الى التمويل الذاتي يقوم النظام التوزيعي على قيم التكافل و التضامن بين الأجيال و الشرائح الاجتماعية
عملت هذه المنظومة في تناسق نسبي مكنها من ضمان توازن مالي هام وفر سيولة و فائض مالي لدى الخزينة العامة أو تم استثماره و توظيفه سواء في البرامج الانمائية او لدى البنوك العمومية و التجارية.
مع انطلاق التغيرات الهيكلية للاقتصاد التونسي و تحول الخيارات نحو الليبرالية، بدأت منظومة الضمان الاجتماعي تعرف تعددا في الأنظمة الداخلية و تفرعا في نوعية الخدمات تزامن مع تخلص الدولة من أعباء و تعهدات أحالتها قسرا على كاهل مؤسسات الضمان الاجتماعي التي بدأت تسجل انخراما في الايرادات مقارنة بالتعهدات.
لا يمكن اختزال هذه الاخلالات الاولية في البعد المحاسبي و المالي بل هناك عوامل موضوعية و ديموغرافية أثرت كذلك على مردودية انظمة الضمان الاجتماعي و بالخصوص منظومات الجرايات ناهيك و ان احداث منظومة التأمين الصحي تأخر عبر بعث صندوق التأمين على المرض دون الالتزام بالاجراءات المرافقة التي صادقت عليها الاطراف الاجتماعية
ولم تحترم مقتضيات العقد الاجتماعي غير المعلن من خلال المفاوضات الاجتماعية التي مكنت من مكاسب غير عادلة التوزيع و بدون استراتجية تأجير منصفة ومجزية.

تفاوت في الاجور وتباعد في المنافع
هناك ترابط عضوي بين قواعد التأجير من جهة و توازنات الجرايات من جهة ثانية ذلك ان جراية التقاعد هي جزء متأت من الدخل أو التأجير.
تفاوت الاجور لعقود شوه مفهوم العدالة الاجتماعية في العمق و كرس التفاوت القطاعي و المهنوي و بين الأسلاك الخصوصية و القطاعات.
و انسحب هذا التباعد في قطاع الجرايات من خلال الفرق بين التعديل الآلي للجرايات بالقطاع العمومي الذي يديره الصندوق الوطني للتقاعد و الحيطة الاجتماعية و الذي يمكن صاحب الجراية من المتقاعدين و ذوي الحق من مراجعة قاعدة الاحتساب كلما تغيرت الاجور و المنح و الجباية.
و حيث عرفت آلية التعديل الآلي مراجعات  احادية أدخلها المشرع بنية التراجع و التخفيف من أعباء الزيادات المترتبة عنها و تحميلها تدريجيا على كاهل المضمون الاجتماعي بما جعل مردودها يكاد يتلاشى و لم تعد في مصلحة اي طرف سواء المنتفع او الصندوق و كذلك المشغل السابق .
و رغم هذه الهنات فإن المنتفع بجراية من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يشتكي من عدم توازي المسارات خاصة أمام ارتباط مراجعة الجرايات بالزيادة التي تقرها الدولة بعنوان الاجر الادنى المضمون مع التسقيف بست مرات مقدار تلك المرجعية عند تصفية الجراية.

بدعة المنظومة التكميلية
تمايز جوهري كان من أسباب التفاوت المسجل عند احتساب معدل الجراية بالقطاع العمومي مقارنة بالقطاع الخاص.
في محاولة جزئية اخترق المشرع قاعدة الحق الاساسي في الجراية على قاعدة الاجر و المساهمات و ابتدع منظومة تكميلية يديرها نفس الصندوق ليست اختيارية على المستوى الفردي و لم تمكن من المراجعة و تدارك النقص بما دفع نحو التعاقد مع مؤسسات التأمين الخاصة و مثل خطوة جديدة نحو الاجحاف و التباعد في الحق  و مردرده.
مسألة تقنية معقدة نعود اليها لاحقا لكننا نؤكد بكل موضوعية ان المنظومة الحالية لم تعد تواكب التحولات الديمغرافية و تغيرات مورفولوجيا عالم الشغل و المهن و لا يمكن ان تؤمن التوازنات المالية في غياب ارتفاع مؤشرات التنمية و التشغيلية المنتجة التي تبقى اهم مورد للصناديق الاجتماعية بالاضافة الى خزان الاقتصاد الموازي الذي لايزال خارج منظومة الضمان الاجتماعي و الجباية.
مواضيع مترابطة و متشعبة لاتزال دون مصارحة و إصلاح حتمي قبل تداعي كامل المنظومة التي سجلت عجزا ماليا مخيف و لا يمكن التحكم فيه سوى بالحوار و المبادرة بالمعالجة وفق قيم العدالة الاجتماعية و تكافؤ الفرص و إحكام التصرف في الموارد المالية و البشرية.
نخصص لاحقا حيزا مقارنيا لا يرمي سوى للمعرفة دون تمييز أو تفضيل و مفاضلة.

مقالات مشابهة

النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين تجدد قيادتها للعهدة القادمة

فريق النشر

أكتوبر الوردي… الحق في الصحة قضية نسوية اجتماعية وهذه شروطه

فريق النشر

نقابيو القطاع الخاص12: غلق باب الحوار حرم العمال من زيادات محترمة

فريق النشر