الشعب نيوز / تونس – تحيي تونس اليوم، 15 أكتوبر، ذكرى جلاء آخر جندي فرنسي عن أراضيها سنة 1963، في محطة تاريخية مثّلت تتويجًا لمسار طويل من النضال الوطني من أجل استكمال الاستقلال وإنهاء الوجود العسكري الفرنسي، الذي استمر بعد إعلان استقلال البلاد في 20 مارس 1956، مع احتفاظ فرنسا بقاعدتها العسكرية في بنزرت ذات الأهمية الاستراتيجية في البحر الأبيض المتوسط.
وشكّل الوجود الفرنسي في بنزرت محور خلاف متواصل بين تونس وفرنسا، قبل أن تتصاعد الأزمة إلى مواجهة عسكرية دامية في جويلية 1961، تزامنت مع تحركات دبلوماسية تونسية مكثفة داخل منظمة الأمم المتحدة، بهدف حشد الدعم الدولي لمطلب الجلاء وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي.

وبدأت محطات هذا المسار باتفاق تونسي فرنسي في 17 جوان 1958، قضى بسحب القوات الفرنسية من تونس، مع استثناء قاعدة بنزرت.
وظل الخلاف بشأن القاعدة قائمًا، إلى أن تصاعد التوتر في صائفة 1961، على خلفية أشغال توسعة مهبط الطائرات بقاعدة سيدي أحمد، وما رافقها من تحركات تونسية واحتجاجات فرنسية.
وفي جويلية 1961، تكثفت الدعوات التونسية إلى إنهاء الوجود العسكري الفرنسي، وتواصلت التعبئة السياسية والشعبية، قبل اندلاع المعارك المسلحة في بنزرت يوم 19 جويلية.
واستخدمت القوات الفرنسية الطيران والمدفعية في قصف مواقع تونسية، فيما امتدت الاشتباكات خلال الأيام الموالية، مخلفة أعدادًا كبيرة من القتلى والجرحى، في ظل تفاوت الإمكانات العسكرية بين الطرفين.
ولم تقتصر معركة الجلاء على الميدان العسكري، بل انتقلت إلى الساحة الدولية. ففي 22 جويلية 1961، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار عدد 164، داعيًا إلى وقف فوري لإطلاق النار وعودة القوات المسلحة إلى مواقعها الأصلية. كما شهدت القضية تحركات أممية متواصلة، من بينها وصول الأمين العام للأمم المتحدة داغ همرشولد إلى بنزرت يوم 25 جويلية، وانعقاد الدورة الاستثنائية الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة في أوت 1961 للنظر في الأزمة.
وفي 27 أوت 1961، صوّتت الجمعية العامة لفائدة قرار يدعو تونس وفرنسا إلى فتح مفاوضات فورية بشأن انسحاب القوات الفرنسية. واضطلع المنجي سليم بدور بارز في المسار الدبلوماسي التونسي داخل المنظمة الدولية، قبل انتخابه رئيسًا للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 1961، ثم توليه وزارة الخارجية التونسية في أوت 1962.
ومهّدت المفاوضات والتحركات السياسية لتسوية النزاع بشأن بنزرت، وصولًا إلى انطلاق الانسحاب النهائي للقوات الفرنسية من المدينة يوم 29 سبتمبر 1963. وفي 15 أكتوبر من السنة نفسها، غادر آخر جندي فرنسي الأراضي التونسية، لتنتهي بذلك مرحلة الوجود العسكري الفرنسي في البلاد، وتُطوى صفحة من أبرز محطات استكمال السيادة الوطنية بعد الاستقلال.
ويظل تاريخ 15 أكتوبر 1963 محطة بارزة في الذاكرة الوطنية التونسية، لما يحمله من دلالات تتصل بالسيادة والاستقلال وتضحيات التونسيين في سبيل إنهاء الوجود الاستعماري. كما تبرز أحداث بنزرت أهمية الجمع بين النضال الميداني والعمل الدبلوماسي في الدفاع عن الحقوق الوطنية وحشد التأييد الدولي.
رحم الله شهداء تونس الذين سقطوا في مقاومة الاستعمار الفرنسي منذ احتلال البلاد سنة 1881، والذين ضحّوا بحياتهم دفاعًا عن حرية الوطن وسيادته، وصولًا إلى جلاء آخر جندي فرنسي في 15 أكتوبر 1963.

