20.1 C
تونس
16 أكتوبر، 2026 00:20
جريدة الشعب نيوز
آراء حرة

لا إفراط ولا تفريط في المشهد السياسي.. مسيرة 17 أكتوبر : حين ينقسم الشارع بين ذاكرة الماضي وأسئلة الحاضر

قبل يومين من مسيرة السابع عشر من أكتوبر، لم يعد النقاش في الشارع التونسي مقتصرا على المطالب الاجتماعية والحقوقية التي دعت إلى التحرك من أجلها، بل امتد إلى سؤال أكثر تعقيدا: هل يمكن تقييم تحرك احتجاجي انطلاقا من مطالبه المعلنة، أم أن الذاكرة السياسية للجهات الداعية إليه أصبحت عنصرا أساسيا في تحديد المواقف منه؟

بين مساند يرى في المسيرة فرصة للدفاع عن الحقوق والحريات والتعبير عن الضغوط الاجتماعية، ورافض يستند إلى مخاوفه من عودة المشهد السياسي الذي عاشته تونس قبل الخامس والعشرين من جويلية 2021، يتكشف انقسام لا يمكن اختزاله في مجرد اختلاف حول تحرك احتجاجي. فهذا الانقسام يعكس أثر تجربة سياسية سابقة في تشكيل المواقف الراهنة، ويطرح تساؤلات حول قدرة المجتمع على الفصل بين تقييم الماضي والحكم على الحاضر.

لقد خلفت العشرية التي أعقبت الثورة خيبات أمل لدى قطاعات من التونسيين. فقد ساهمت الصراعات الحزبية، وتواتر الأزمات الحكومية، وتضارب الحسابات السياسية، وتعثر الاستجابة لانتظارات اجتماعية واقتصادية واسعة، في إضعاف الثقة في عدد من الفاعلين السياسيين ومؤسسات التمثيل. ولم يكن استياء المواطنين من تلك المرحلة بلا أسباب، كما أن تجاهل هذه التجربة لا يساعد على فهم التحفظ الذي يبديه بعضهم تجاه التحركات التي قد يقرأها باعتبارها امتدادا لذلك المشهد.

لكن المسألة تستحق تدقيقا أكبر. فهل يكفي أن تتقاطع جهة سياسية أو نقابية أو مدنية مع مطالب تحرك احتجاجي حتى تصبح تلك المطالب موضع رفض؟ وهل ينبغي أن تظل الأخطاء السابقة حاضرة في كل تقييم إلى درجة تحجب معها مضمون المطالب نفسها؟

إن الخشية من استعادة التجربة السابقة موقف يمكن فهمه في سياقه، لكن تحويلها إلى معيار وحيد للحكم على الحاضر قد يؤدي إلى نتيجة أخرى، تتمثل في أن يصبح الانتماء السياسي المفترض للداعين إلى الاحتجاج أهم من طبيعة المطالب المطروحة، وأن يقاس الموقف من الحقوق والحريات بمدى الثقة في الجهات التي تدافع عنها، لا بمبدئية تلك المطالب ومدى مشروعيتها القانونية والأخلاقية.

وفي المقابل، لا يكفي التمسك بالحق في الاحتجاج لإعفاء القوى السياسية من المساءلة، أو لتجاهل مسؤولياتها السابقة، أو لافتراض أن كل تحرك يرفع شعارات الحريات والمطالب الاجتماعية يخلو من الحسابات السياسية. فالدفاع عن الحقوق لا يتعارض مع نقد الفاعلين، مثلما أن نقدهم لا يستوجب رفض الحقوق التي يرفعونها.

ومن هنا، يكشف الانقسام حول مسيرة السابع عشر من أكتوبر إشكالية أعمق تتعلق بكيفية تشكل المواقف السياسية داخل المجتمع.

فعندما تتراكم خيبات الأمل، لا يعود المواطن بالضرورة إلى مضمون الخطاب وحده، بل يستحضر أيضا ذاكرته عن أصحابه وما يربطه بهم من تجارب سابقة. وقد تتحول هذه الذاكرة، بدل أن تكون أداة للفهم والمساءلة، إلى حكم مسبق يحدد القبول والرفض قبل مناقشة المطالب نفسها.

غير أن هذا التحليل لا يبرر التعميم على الشارع التونسي، ولا اختزال مواقف المختلفين في دافع واحد. فقد تكون المساندة نابعة من قناعة فعلية بالمطالب الاجتماعية والحقوقية، وقد يكون الرفض تعبيرا عن فقدان الثقة في أطراف سياسية بعينها.

كما قد تتداخل الاعتبارات الاجتماعية والسياسية والحقوقية لدى الشخص نفسه. لذلك، فإن فهم هذا الانقسام يقتضي الإنصات إلى دوافع المواقف المختلفة، لا الاكتفاء بتصنيف أصحابها ضمن معسكرين متقابلين.

ومن موقعي مواطنة تونسية وباحثة في علم الاجتماع، أرى أن التحدي لا يكمن في مطالبة الجميع بمساندة المسيرة أو رفضها، بل في استعادة القدرة على تقييم المواقف والأفعال وفق معايير واضحة، بعيدا عن منطق الولاء والخصومة. فمن حق المواطن الذي يرفض عودة ممارسات أضعفت الثقة في السياسة أن يتمسك بموقفه، مثلما من حق المواطن الذي يدافع عن الحريات والمطالب الاجتماعية ألا تختزل مواقفه في مجرد محاولة لإعادة إنتاج الماضي.

وتزداد أهمية هذا النقاش حين ندرك أن المطالب الاجتماعية لا تنفصل عن شروط التعبير عنها. فالشغل اللائق، والأجر العادل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والنقل، كلها مسائل ترتبط بقدرة المواطنين على إيصال مطالبهم، والمشاركة في مناقشة السياسات العمومية، ومساءلة المسؤولين عنها. كما أن الحق في التنظيم والتعبير والاحتجاج السلمي لا ينبغي أن يكون رهينا بهوية المحتج أو بموقفه من السلطة والمعارضة.

إن رفض المشهد السياسي السابق لا يعني بالضرورة الموافقة على كل ما تلاه، مثلما أن نقد المرحلة الراهنة لا يبرر تجميل إخفاقات الماضي. فأخطاء العشرية لا تسقط الحق في مساءلة الحاضر، والتمسك بالحريات لا يمحو المسؤوليات السياسية السابقة.لذلك، لا ينبغي أن تتحول مسيرة السابع عشر من أكتوبر إلى اختبار للولاء لهذه المرحلة أو لتلك، ولا إلى مناسبة لتصفية الحسابات بين أنصار الماضي وخصومه. والأجدر أن تكون مناسبة لمناقشة المطالب المعلنة، وفهم أسباب الانقسام حولها، وطرح السؤال عن الشروط التي تسمح باستعادة الثقة في الحياة العامة.

لا إفراط في ترذيل المشهد السياسي، ولا تفريط في نقده. لا تبرئة للماضي، ولا تقديس للحاضر. إن أخطر ما يمكن أن تخلفه الأزمات السياسية ليس اختلاف التونسيين في مواقفهم، بل تحول هذا الاختلاف إلى حاجز يمنعهم من مناقشة القضايا التي تجمعهم. فتونس لا تحتاج إلى إجماع مصطنع حول مسيرة واحدة، بل إلى فضاء عام يستطيع فيه المختلفون أن يتناقشوا ويحتجوا ويحاسبوا، دون أن يختزل أحدهم في ماضيه السياسي أو يعفى آخر من مساءلة حاضره.

مقالات مشابهة

لهذه الأسباب سنشارك في مسيرة 17 أكتوبر

فريق النشر Echaab News

إرحمونا، الإتحاد منظمة وطنية ضرورية

فريق النشر Echaab News

ما السرّ الذي يجعل مواطنا يمنيا يفخر ويعتزّ بما يقوم به الحوثيون؟

فريق النشر